في ظل ما أُعلنه مؤخراً مدير عمليات المرور في أمانة عمان المهندس شادي الروابدة عن نية البدء بمخالفة سائقي المركبات الخصوصية بسبب تناول الطعام أو شرب القهوة أو التدخين أثناء القيادة، يثور تساؤل قانوني بالغ الأهمية: هل يملك أي جهاز إداري صلاحية فرض مخالفة دون سند قانوني صريح؟
الإجابة، من منظور قانوني بحت، واضحة لا لبس فيها: لا يجوز.
ذلك أن الأصل في القواعد الجزائية، ومنها المخالفات المرورية، هو خضوعها لمبدأ راسخ لا يقبل الاجتهاد، وهو:
"لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
وهذا المبدأ قاعدة دستورية تحكم عمل السلطة التنفيذية وتقيّدها.
وعند الرجوع إلى قانون السير الأردني، نجد أن المشرّع قد تناول بعض السلوكيات المتعلقة بقيادة المركبات، وميّز بوضوح بين فئات المركبات. فقد ورد النص صراحة على مخالفات تتعلق بالتدخين داخل مركبات نقل الطلبة، وهو ما يعني أن المشرّع حدّد نطاق الحظر بدقة ولم يعمّمه على جميع السائقين .
وهذا ما نصت عليه الماده (36) من قانون السير، وهي تتعلق بمخالفات محددة كعدم تحريك المركبة بعد الحادث أو أمور تنظيمية أخرى،ومنع التدخين داخل مركبات نقل الطلبة ولا تمت بصلة لمسألة تناول الطعام أو الشراب أثناء القيادة بالنسبة للمركبات الخصوصي.
أما المادة (39)، فهي تتناول تدخين السائق في مركبات النقل العمومي ولا علاقة لها بسلوك سائق المركبات الخصوصي أثناء القيادة .
وبالتالي، فإن القول بوجود سند قانوني عام يجيز مخالفة السائق الخصوصي لمجرد تناوله القهوة أو الطعام هو قول يفتقر إلى الدقة القانونية.
إن تحويل النصوص من قواعد محددة إلى أدوات تقديرية مفتوحة، وهو ما يفتح الباب أمام التعسف في التطبيق، ويقوّض الثقة بين المواطن والمؤسسة.
إن تنظيم المرور هدف مشروع، بل ضرورة، لكن الوسيلة يجب أن تبقى ضمن حدود القانون. فلا يجوز أن تتحول التعليمات الإدارية إلى مصدر للعقوبة، وإلا انتقلنا من دولة القانون إلى دولة الاجتهاد الإداري.
ختاماً، فإن حماية السلامة المرورية لا تتحقق بتوسيع دائرة المخالفات خارج النصوص، بل بتطبيق القانون كما هو، أو بتعديله عبر القنوات التشريعية إذا اقتضت الحاجة.
أما فرض العقوبات دون نص، فهو سابقة لا يجوز القبول بها، لأنها ببساطة تمس جوهر العدالة.