الخلايا الإرهابية في دول الخليج بعد التصعيد مع إيران
د. سعود الشرفات
21-04-2026 03:07 PM
تشكل الأخبار المتواترة عن كشف وإحباط العمليات الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني في دول الخليج العربي صدمة للأجهزة الأمنية والاستخبارية ولكل الخبراء والمتابعين لظاهرة الإرهاب العالمي واتجاهاته المعاصرة.
حيث تشير المعطيات المتوفرة حتى الآن، استناداً إلى مصادر إعلامية مفتوحة، حول كشف خلايا إرهابية في دول الخليج العربي في أعقاب التصعيد العسكري الأخير مع إيران، إلى أن هذه العمليات لا يمكن تفسيرها بوصفها أحداثاً أمنية معزولة أو استجابات ظرفية محدودة. بل ينبغي مقاربتها ضمن إطار بنيوي أوسع يرتبط بالعقيدة الأمنية الإيرانية التي تطورت منذ عام 1979، حيث انتقلت تدريجياً من مفهوم “تصدير الثورة” بصيغته الأيديولوجية المباشرة إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على إدارة النفوذ عبر شبكات غير تقليدية، تعمل على مستويات متعددة وتحت غطاءات مدنية واجتماعية، وفي إطار عمليات منظمة ذات طابع عابر للحدود.
وفي هذا السياق، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل المركزي والمحرك في بناء هذه الشبكات والخلايا ، ولا سيما من خلال ذراعه الخارجية “فيلق القدس”، حيث اعتمد استراتيجية طويلة الأمد تقوم على إنشاء ما يمكن وصفه بـ“بنية تحتية خفية” داخل الدول المستهدفة، تُستخدم كاحتياط استراتيجي قابل للتفعيل عند الحاجة. ومن ثم، فإن الخلايا التي تم الكشف عنها في دول الخليج لا تمثل بالضرورة نشوءاً جديداً، بل تعكس في كثير من الحالات كشف أو إعادة تنشيط شبكات كامنة جرى بناؤها على مدى سنوات، وهو ما يفسر درجة تنظيمها وارتباطاتها العابرة للحدود.
غير أن البعد البنيوي وحده لا يكفي لتفسير توقيت الكشف عن هذه الخلايا أو الانتقال بها إلى مراحل تنفيذية، إذ يبدو أن التصعيد العسكري الأخير شكّل عاملاً حاسماً في تفعيل هذه الشبكات أو تسريع انكشافها. فقد دفعت المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين إيران إلى توسيع أدواتها الردعية، عبر تبني نمط مركّب يجمع بين القوة الصلبة والأدوات غير المباشرة، في إطار ما يمكن وصفه بـ“الردع المركّب”. وضمن هذا الإطار، تتحول الخلايا الإرهابية الداخلية إلى أدوات ضغط فعّالة، ليس فقط من خلال قدرتها على تنفيذ عمليات، بل أيضاً عبر ما تولده من حالة عدم يقين أمني، تُجبر الدول المستهدفة على استنزاف مواردها ورفع مستوى التأهب.
وتكتسب هذه القراءة مصداقيتها من خلال الحالات الميدانية المتزامنة، حيث شهدت دول خليجية عدة خلال فترة زمنية متقاربة الإعلان عن تفكيك خلايا مرتبطة بأنشطة تخريبية أو استخباراتية، شملت التخطيط لعمليات داخلية، أو تنفيذ مهام رصد ومراقبة لمواقع حيوية، أو الانخراط في أنشطة تخابر وتحديد أهداف. ويعكس هذا النمط الزمني المتقارب مؤشراً على رفع مستوى الجاهزية أو التفعيل المتزامن لهذه الشبكات في سياق الأزمة، بما يوحي بوجود إدارة مركزية أو تنسيق استراتيجي يتجاوز الحدود الوطنية.
وعند وضع هذه التطورات ضمن إطار مقارن، يتضح أن ما يجري في الخليج لا يمثل انحرافاً عن نمط النفوذ الإيراني، بل تطوراً تكيفياً فيه. ففي بيئات مثل العراق ولبنان واليمن، اعتمدت إيران على نموذج “الوكالة المباشرة” من خلال دعم فاعلين مسلحين علنيين. إلا أن خصوصية البيئة الخليجية، التي تتسم بقوة الدولة وفعالية أجهزتها الأمنية، فرضت تحولاً نحو نموذج أكثر خفاءً يمكن تسميته بـ“الاختراق الشبكي الداخلي”، القائم على خلايا صغيرة، سرية، متعددة الوظائف، وقابلة للتفعيل عند الحاجة. ولا يعكس هذا التحول تراجعاً في القدرة، بل يدل على مرونة استراتيجية عالية، حيث يتم تعديل أدوات النفوذ بما يتناسب مع طبيعة البيئة المستهدفة.
وتُظهر الحالات المكتشفة أن هذه الخلايا لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تعمل كمنصات مركبة تشمل التمويل، والتجنيد، والرصد، والتخطيط، ما يجعلها أداة مثالية ضمن نمط التصعيد “تحت العتبة”، الذي يتيح تحقيق أهداف استراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن ظاهرة الخلايا الإرهابية في الخليج بعد التصعيد مع إيران تمثل اتجاهاً كبيرا متنامياً في أنماط التهديد في الشرق الأوسط، نتاج تفاعل ثلاثة مستويات تحليلية متداخلة: مستوى بنيوي يرتبط بالعقيدة الأمنية طويلة الأمد، ومستوى تكتيكي يتصل بسياق التصعيد واستراتيجية الردع المركب، ومستوى مقارن يعكس تحول نموذج النفوذ من الوكالة المباشرة إلى الاختراق الداخلي. وتكمن الخطورة في أن هذا النموذج لا يعتمد على حدث منفرد أو شبكة محددة، بل يمتلك قابلية عالية لإعادة الإنتاج والتكيف، ما يجعله تهديداً مستداماً وليس ظرفياً.
كما يُتوقع أن يمتد هذا النمط من التهديدات إلى بيئات أخرى خارج الخليج، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة، خاصة في حال استمرار التصعيد العسكري وإطالة أمد الصراع. وعليه، فإن مواجهة هذا النوع من التهديدات تتطلب مقاربات أمنية تتجاوز الأطر التقليدية، باتجاه استراتيجيات شاملة تدمج بين العمل الاستخباري الاستباقي، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير أدوات تحليل الأنماط السلوكية للشبكات الإرهابية المعاصرة
* مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب – عمّان، الأردن