مضر بدران .. الذكرى وضرورات الوفاء
أحمد الحوراني
22-04-2026 12:09 PM
إحياء ذكرى رجالات الدولة الكبار من الرعيل الأول لا يقف عند حدود مقالة واحدة لأنها قطعًا لا تكفي ولا تؤسس لحالة وطنية تبقي أبنائنا وبناتنا من الناشئة على تماس مباشر وتواصل حقيقي مع ثلة ممن خدموا الدولة في مراحل كانت حُبلى بالتحديات وكانت لهم كلمتهم وقراراتهم الشجاعة، تمامًا كما هو الحال في شخصية مضر بدران الذي تصادف اليوم الذكرى الثالثة لرحيله، إذ الحديث عنه باعتباره شخصية وطنية بارزة شغلت مساحات واسعة في إدارة الدولة عبر مجموعة المناصب التي تقلدها أبو عماد رحمه الله وكان فيها قريبًا من الحسين الذي أحبّ فيه بأسه وحصافة رؤيته ودقة نظرته وشجاعته في اتخاذ القرار الحاسم وفقًا لقناعاته التي كان يرى ويؤمن أنها تصب في خانة تحقيق الصالح العام للوطن.
مضر بدران كان سياسيا وقورًا وصاحب حجة ورأي يصيب ويخطئ ولم تبرح بوصلته تراب الوطن ورؤى القيادة، وتميز بكبرياء جبل، تواضعا ووطنية مُزجت بالصراحة والحكمة والإخلاص، وكان يؤمن بثنائية مقدسة للهوية الوطنية الراسخة والرسالة النبيلة التي جسدتها تضحيات الهاشميين الأخيار منذ الثورة العربية الكبرى، وعليه كان ينبذ بشدة، كل أساليب خيانة مضامين الهوية الوطنية الأردنية المدانة؛ المعلن منها والمشفّر سواء بسواء، ومن قناعات الرجل أن الإيمان بالدولة وثوابتها نهج راسخ ومبدأ ثابت لا يتغير في حين أن القناعات والصفقات السياسية المنفعية تتغير وتتبخر وتندثر مع مصالح روادها.
تأتي الذكرى السنوية الثالثة لرحيل مضر بدران، ونحن نتحدث عن السردية الأردنية عبر مائة عام ونيّف من ولادة المملكة، وأحسب أن سيرة حياة الكبار ممن هم بحجم قامة أبو عماد الباسقة، هي جزء لا يتجزأ من هويتنا وتاريخنا وسرديتنا، ذلك أنهم لم يكونوا شهودًا فقط على مراحل مهمة في مسيرة بناء الدولة، بل كانوا جزءًا من الحلم الوطني نحو آفاق التحديث والتطوير، وتركوا بصماتهم وحضورهم وتأثيرهم الذي لا يمكن الاستهانة به أو القفز عنه، ولعل كل ذلك يجعلنا نطالب بأن تستحوذ اسهامات وانجازات وسيرة حياة هؤلاء الكبار جانبًا مهما بل وواسعا على أجندة المعنيين بكل فعالية خاصة بموضوع السردية.
مضر بدران رجل دولة رصين كان مخلص للدولة والعرش، وعاش مدججًا بالرفعة الوطنية، وتميز بالصَّراحة اللا متناهية في توصيف وتوظيف المشهد الوطني بما يعكس نُبل الأردنيين، وهويتهم الوطنيَّة الأردنيَّة التي لا تلفظ وافدٍ أو مُستجير، ولا تُنكر مخلصاً للدولة أو هابَّاً للدفاع عن الموقف الأردني الشَّريف في كل قضايا العروبة والإسلام، ورسالة الهاشميين القائمة على الوحدة والحريَّة والانعتاق من صلف الاحتلال والطغيان، ولكنه رغم ذلك كله فقد عانى كغيره من المخلصين للتراب والعرش من حملات التشويه واختلاق الدوافع ومبررات الهجوم بدون وجه حق، ولكنه كان يعلن دوماً مواقفه الوطنية بتلقائية وحرص في ذات الوقت الذي اختبأ فيه الكثيرون في ملاذات الصمت في أصعب الظروف وأدقها التي عصفت بالوطن.