ذاكرة الدولة أم ذاكرة المسؤول؟
اسامة طلفاح
22-04-2026 07:19 PM
في الإدارة، لا تكمن الإشكالية
دائماً في غياب الخطط أو ضعف الكفاءات، بل في سؤال أبسط في صياغته وأعمق في أثره: هل تحتفظ الدولة بذاكرتها المؤسسية وتبني عليها… أم يبدأ كل مسؤول من ذاكرته الخاصة وكأن ما قبله لم يكن؟
عندما تنظر إلى الأردن من زاوية مؤسسية، تبرز أمامك مفارقة تستحق التأمل: هذه الدولة تمتلك من الأنظمة والتشريعات والخطط الاستراتيجية ما يكفي لتكون نموذجاً يحتذى. الوثائق محكمة، اللجان
مشكلة، التوصيات موثقة، والمصطلحات حديثة وتواكب أرقى ما ينتجه الفكر الإداري العالمي. لكن عند الانتقال من النصوص إلى الواقع، تظهر حقيقة أخرى، أن المسافة بين ما هو مكتوب وما هو موجود ما تزال مسافة قاسية.
المسألة لا تبدأ من غياب الكفاءة، ولا من شحّ الإرادة. بل تبدأ من فجوة فلسفية أعمق؛ نحن ننتج سياسات من أجل الاستهلاك المرئي، لا من أجل التغيير الفعلي. وهذا التمييز الدقيق هو ما يفصل النماذج التي نجحت عن
تلك التي تحوّلت إلى أرشيف أنيق.
في سنغافورة عام 2003، حين كانت وزارة الخدمة المدنية تعيد هيكلة منظومة الأداء الحكومي، كان السؤال الأول الذي يطرح في كل اجتماع هو: "من المسؤول عن هذا القرار بعد خمس سنوات من الآن، حين يكون الوزير الحالي قد رحل؟" هذا السؤال، في ظاهره بسيط، يحمل في طياته فلسفة مؤسسية كاملة، الاستدامة ليست حسن نية، بل هي هندسة مرسومة، ولا يترك شيء للصدفة.
الأردن، هذا الوطن الجميل، يشهد في بعض المواقع ما يمكن تسميته "متلازمة الملف الشخصي" حيث تتحول بعض الملفات الحكومية الكبرى مع الوقت إلى امتداد لشخصية مسؤولها أكثر من كونها مساراً مؤسسياً مستقراً. وعند تغيير بعض المسؤولين، تبدأ دورة جديدة في تلك الملفات: رؤى جديدة، ومصطلحات جديدة، وأولويات يعاد ترتيبها، وأحياناً هياكل تنظيمية يعاد رسمها. وفي مثل هذه الحالات، يتحمل الوط
ن والمواطن كلفة غياب الاستمرارية وتكرار البدء من جديد.
لدينا فرصة حقيقية تتجسد في الرؤية الملكية للإصلاح التي وضعها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، والممتدة لعشر سنوات، والتي تشمل مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري. هذه الرؤية يجب أن تكون البوصلة الثابتة التي يلتزم بها كل مسؤول قادم، بدلاً من العودة في كل مرة إلى نقطة الصفر. فالرؤية الملكية ليست مجرد إعلان سياسي أو خطاب مرحلي، بل خارطة طريق للدولة، يفترض أن تشكل المرجعية العليا لكل مؤسسة ووزارة وهيئة. البناء عليها ليس خياراً إدارياً، بل واجب مؤسسي، أما إعادة إنتاج الأفكار وتكرار البدء من جديد مع كل تغيير، فهو الشكل الأعلى كلفة للهدر، حتى وإن لم يظهر في بنود الموازنة.
في فنلندا، التي يتم تصنيفها باستمرار ضمن أكثر الحكومات كفاءةً واتساقاً، يستند الاستمرار المؤسسي إلى ما يسمونه "ذاكرة المؤسسة"، وهي منظومة موثقة وحيّة من القرارات والمبررات والدروس المستفادة، تنتقل من قيادة إلى قيادة كالحمض النووي، لا كملف بارد في الأرشيف. القادم الجديد لا يبدأ من الصفحة الأولى، بل يكمل فصلاً في رواية مكتوبة قبله. هذا النموذج لا يحتاج ميزانية ضخمة، يحتاج قراراً سياسياً بأن المؤسسة أهم من الفرد، وأن الرؤية الوطنية أكبر من أي منصب.
أما ظاهرة دمج الهيئات، وإلغاء مؤسسات، وإنشاء أخرى، فهي من أبرز المؤشرات على الحاجة إلى مزيد من النظرة الشمولية في الإدارة العامة. ففي كل مرة يُعلن فيها عن دمج جهة أو استحداث كيان جديد، يُ
طرح السؤال الإجرائي أولاً: كيف ننفذ؟ بينما يغيب السؤال الاستراتيجي الأهم: لماذا لم تحقق الجهة السابقة الغاية التي أُنشئت من أجلها؟ وهل الكيان الجديد سيعالج الخلل في جوهر العمل، أم سيقتصر التغيير على الاسم والهيكل؟
لقد أثبتت تجارب الإدارة الرشيقة، التي طبقت في مشاريع حكومية في الإمارات والسعودية ودول أخرى، أن الهيكل التنظيمي وحده لا يحل المشكلات، وأن إضافة طبقة إدارية جديدة فوق عملية معطلة لا تنتج إلا تعقيداً أكبر.
ولهذا، حين أطلقت الإمارات مبادرة "حكومة بلا ورق" وما تبعها من تحولات نوعية، لم تبدأ بتغيير الهياكل أو استحداث المسميات، بل بدأت بتشخيص العمليات نفسها. جرى رسم خرائط تفصيلية للخدمات الحكومية، وتحديد نقاط الهدر، وقياس الزمن الفعلي مقابل الزمن المستهدف، ثم أُعيد تصميم الإجراءات بناءً على هذه النتائج. لذلك لم تكن النتيجة مجرد خدمات أسرع، بل ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على القياس والتحسين المستمر، أصبحت مع الوقت جزءاً أصيلاً من هوية العمل الحكومي.
ما يحتاجه الأردن اليوم ليس مزيداً من الأنظمة، بل يحتاج إلى ما يمكن تسميته "عقد الاستمرارية"، إطار قانوني وإداري يلزم كل مسؤول قادم بالبناء على ما تم انجازه، لا تجاهله، ويجعل من رؤية التحديث الملكية سقفاً استراتيجياً لا يفاوض عليه. يحتاج إلى فصل واضح بين السياسة وإدارة الملفات التشغيلية، بحيث لا يكون تغيير الوزير سبباً لتغيير خارطة طريق قطاع بأكمله. ويحتاج إلى مؤشرات أداء حقيقية معلنة وقابلة للمساءلة المجتمعية، لا أرقاماً يتم قرائتها في تقارير تودع الأدراج.
الأردن يملك من الكوادر البشرية المؤهلة ما لا تملكه دول، ويملك رؤية ملكية واضحة تمثل فرصة تاريخية حقيقية لا تتكرر.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع ما لم يدرك كل مسؤول أنه أمين على مسار أكبر منه، لا مؤسس لمسار باسمه. الإصلاح الحقيقي لا يكتب في ورقة سياسات، بل يبنى في ثقافة يومية تؤمن بأن الدولة أكبر من أي فرد فيها، وأن المؤسسة التي تعيش بعد أصحابها هي وحدها المؤسسة الحقيقية.