حين أطلق الفنان عمر العبداللات أغنيته الجديدة "علامكي وشلونكي" باللهجة الكركية العريقة، لم يكن يتوقع على الأرجح أن يفتح بذلك نقاشاً يتجاوز حدود الفن إلى أعماق الهوية والانتماء والوصاية الثقافية. نقاش وإن بدا في ظاهره دفاعاً عن اللهجة وصوناً لها، فإنه في جوهره يطرح سؤالاً أعمق وأكثر إلحاحاً وأشد وطأة على الوجدان: هل يملك أحدٌ حقاً حق احتكار لهجة ما وتقرير من يحق له استخدامها ومن لا يحق؟ وهل الغيرة على اللهجة تعني بالضرورة حبسها خلف أسوار لا يعبرها إلا من وُلد على ترابها؟
لو أنصفنا التاريخ وأنصتنا إليه جيداً لأدركنا أن اللغات واللهجات لم تكن يوماً ملكيات خاصة تُورَث وتُحجب، بل كانت دائماً أنهاراً جارية تسقي كل من اقترب منها بصدق وشغف، بصرف النظر عن منبته وأصله. وما الفن في نهاية المطاف إلا جسر يعبر به الإنسان من ذاته إلى الآخر، ومن مكانه إلى العالم، ومن لحظته إلى الأبد. غنّت أم كلثوم بلهجات عربية متعددة لم تنشأ في كنفها، وحملت فيروز صوتها عبر كل تضاريس الوطن العربي دون أن تستأذن أحداً، ولم يقل منصف يوماً إن ذلك كان سطواً على هوية أحد أو انتهاكاً لخصوصية أحد، بل رأى الناس في ذلك تكريماً للجمال وتوسيعاً لآفاقه. فإن كانت اللهجة الكركية قد وصلت اليوم بفضل هذه الأغنية إلى آذان لم تسمعها من قبل وإلى قلوب لم تتذوق عبقها قط، فما الذي يجعل هذا إساءة؟ أليس هذا في حقيقته سفارة ثقافية لا يملك كثيرون شجاعة القيام بها؟
ولا أحد هنا يُغلق باب النقد أو يدّعي أن العمل الفني فوق المساءلة، فالنقد الفني حق مكفول ومطلوب، والملاحظة اللغوية الدقيقة هي من صميم المسؤولية الثقافية التي ينبغي أن نتحلى بها جميعاً. غير أن الفارق شاسع بين نقد موضوعي يحدد الخطأ بدقة ويستند إلى مرجعية لغوية واضحة، وبين إطلاق أحكام الإدانة الكاملة استناداً إلى الانطباع العام والحساسية الآنية التي كثيراً ما تكون أقرب إلى ردة الفعل منها إلى الموقف الثقافي الناضج. والجدير بالذكر أن أبناء الكرك أنفسهم ليسوا على اتفاق تام حول نطق موحد لكثير من مفردات لهجتهم، إذ تتباين النطق والمفردات من قرية إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، مما يجعل ادعاء امتلاك النسخة الوحيدة الصحيحة من اللهجة ادعاءً يفتقر إلى السند الموضوعي ويحتاج إلى مراجعة هادئة وأمينة.
أما من رأى في هذا العمل استغلالاً تجارياً للهوية الكركية، فنسأله بكل احترام: حين يغني فنان كركي بالعامية المصرية أو اللهجة الخليجية طلباً للانتشار والقبول، فهل نعدّ ذلك خيانة لهويته أم انفتاحاً مشروعاً على العالم؟ الفن الشعبي في تاريخه الطويل لم يعرف الاستغلال بمعناه الحقيقي إلا حين يُسخر من الآخر ويُهزأ به، أما التغني بلهجته فهو ضرب من ضروب الاعتراف بجمالها وإعلان الافتتان بها أمام الملأ. والاستغلال الحقيقي الذي ينبغي أن نخشاه هو أن تظل هذه اللهجة حبيسة جغرافيتها لا يعرفها أحد ولا يغني بها أحد حتى تندثر في صمت موجع لا يلتفت إليه أحد.
وأما من طالب الفنان بأن يستشير أهل الكرك ويستأذنهم قبل أن يتغنى بلهجتهم، فهذا المنطق وإن بدا في ظاهره حرصاً جميلاً، إلا أنه لو طُبّق على الفن عالمياً لتوقف الإبداع الإنساني بأسره وأُغلقت أبواب الإلهام أمام كل فنان صادق. فهل استأذن نزار قباني كل امرأة عربية قبل أن يكتب عنها؟ وهل استأذن جبران خليل جبران الجبال والوديان قبل أن يستلهم منها روائعه الخالدة؟ الفنان يستلهم من محيطه الإنساني الواسع بلا حدود ولا تصاريح، والإذن الحقيقي الوحيد المطلوب منه هو أن يحمل روح ما يغني به باحترام وصدق وإخلاص، وهو ما لا يمكن لأحد أن ينكره على هذه الأغنية.
وفي المحصلة، فإن الجدل الذي أثارته هذه الأغنية هو في حقيقته نعمة لا نقمة، وشهادة حية على أن العمل لمس شيئاً عميقاً في الوجدان الأردني وحرّك فيه ما كان ساكناً. فالأغنية التي لا تثير جدلاً هي التي تمر كأنها لم تكن، ولا تترك في القلوب أثراً يُذكر ولا في الذاكرة الجمعية بصمة تبقى. أما هذا الجدل الواسع فهو دليل على أن الناس لا يزالون يكنّون للهجاتهم ومحلياتهم محبة صادقة وغيرة حقيقية، وهذا في ذاته أمر يستحق التقدير والاحتفاء لا الاستهجان والتنكر.
والأجدى لمن يحمل في قلبه غيرة حقيقية على اللهجة الكركية أن يستثمر هذا الجدل في اتجاه بنّاء ومثمر، فيوثّق اللهجة ويُنتج عنها محتوى أعمق وأشمل، ويكتب عن جمالياتها وتاريخها وخصائصها الصوتية والدلالية التي تجعلها درة في تاج التراث الأردني العريق. فالأغنية باب لا جدار، وهي تدعو الناس إلى الاكتشاف لا تحول دونه، ومن سمع اللهجة الكركية لأول مرة عبر هذه الأغنية وأُعجب بها فإنه سيبحث عنها ويتعلق بها، وهذا هو الأثر الحقيقي الذي ينبغي أن نحتفي به جميعاً بدلاً من إضاعة الطاقة في معارك لا تخدم اللهجة ولا تصون التراث.
في نهاية المطاف، الكرك أكبر من أن تُحبس في قفص الحراسة، وصوتها أجمل وأبعد أثراً حين يطير بعيداً ويحطّ في قلوب لم تعرفه من قبل. واللهجة الكركية العريقة التي تحمل في طياتها عبق التاريخ وأصالة الإنسان الأردني وعمق جذوره، تستحق أن تُغنَّى وتُتداول وتنتشر في كل مكان، لا أن تُوضع في متحف مغلق يقرر القائمون عليه من يحق له الاقتراب منها ومن لا يحق. إن الانفتاح الثقافي الحقيقي لا يعني التفريط في الهوية، بل يعني الثقة بها وبقدرتها على العطاء والتجدد والتأثير. واللهجة الواثقة من عراقتها وجمالها ترحب بكل من يتغنى بها ويحملها إلى الآفاق، لأنها تعرف أن الجمال الحقيقي لا يُسرق ولا يُستنزف، بل يتضاعف كلما انتشر وتداوله الناس بالمحبة والإعجاب.
ولهذا نقول لكل من حمل قلمه ليهاجم هذه الأغنية ويُشهر في وجهها سيف الرفض والإدانة: إن باب النقد البنّاء مفتوح دائماً ومرحّب به، وإن الحوار الثقافي الراقي هو سمة الأمم الواثقة من هويتها وتراثها، لكن الوصاية الثقافية المغلقة التي تضع الفن في قفص وتضع الفنان في قفص آخر هي عدو التنوع والإبداع والتقدم، ولم تُنتج في تاريخ الأمم إلا الجمود والانكفاء على الذات. فلتكن ردود أفعالنا على مستوى عراقة لهجتنا وسماحة تاريخنا وأصالة إنساننا الأردني الذي عُرف دائماً بالكرم والانفتاح وسعة الصدر، ولنتذكر جميعاً أن أجمل ما في الهوية الأردنية هو انفتاحها على الآخر دون أن تذوب فيه، وعطاؤها للعالم دون أن تفقد نفسها، وقدرتها على أن تكون حاضرة في كل مكان دون أن تغيب عن جذورها.
اللهجة الكركية للجميع .. وهي بذلك تبقى للأبد.