الأميرة دانا فراس ومسارات السياحة الدينية في الأردن
الاب د. رفعت بدر
25-04-2026 10:01 PM
في الثامن عشر من نيسان من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للمعالم والمواقع، أو ما يُعرف بيوم التراث العالمي، وهي مناسبة تؤكد أن التراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ، بل رسالة إنسانية حيّة حاضرا ومستقبلا، وجسر لقاء بين الشعوب والثقافات.
وفي هذا السياق، جاءت الندوة الحوارية التي نظّمتها كلية عمّون الجامعية التطبيقية حول توثيق مسارات السياحة الدينية في الأردن، برعاية سمو الأميرة دانا فراس، المدافعة عن التراث الثقافي وسفيرة النوايا الحسنة لليونسكو، ورئيسة جمعية المحافظة على البتراء. وقد شدّدت سموّها في كلمتها الراقية على أن هذه المناسبة "تُعدّ تأكيدًا على القيم الإنسانية المشتركة للتراث الثقافي ودوره في بناء جسور التفاهم بين الشعوب"، مؤكدةً أن التراث، ولا سيما الديني منه "مرتبط بالعدالة والكرامة والهوية والتفاهم"، وداعيةً إلى الوقوف في وجه السرديات التي تروّج لفكرة "صدام الحضارا".
كما أبرزت سموها مكانة الأردن بوصفه محطة فريدة على خارطة الحج المسيحي العالمي، وفضاءً حيًا للتلاقي الروحي والتاريخي بين الأديان، مشيرةً إلى غنى المواقع الدينية التي يحتضنها، وفي مقدمتها موقع المعمودية - المغطس، وما يشكّله من نقطة انطلاق لمسارات حج متكاملة.
وفي موازاة ذلك، عبّرتُ في مداخلتي عن قناعتي، بعد خبرة تمتد لأكثر من 30 عاما في الاعلام والترويج السياحي الديني، بأنّ "مسارات السياحة الدينية في الأردن ليست مجرد طرق للحج، بل هي طرق للقاء والحوار، وفرصة لإعادة اكتشاف البعد الروحي العميق الذي يجمع الإنسان بالله أولا وبأخيه الإنسان ثانيا"، مؤكّدًا أن الأردن يقدّم نموذجًا حيًا في تحويل التراث الديني إلى رسالة سلام ووئام بين الشعوب.
فالأردن ليس مجرد محطة جغرافية على خارطة الحج المسيحي العالمي، بل هو فضاء حيّ للتلاقي الروحي والتاريخي بين الأديان. من المغطس، حيث عماد السيد المسيح، إلى جبل نيبو المرتبط بسيرة النبي موسى، مرورًا بمادبا وفسيفسائها، وأم الرصاص، وتل مار إلياس، ومكاور، ومزار سيّدة الجبل في عنجرة، ومزار سيدة لورد في ناعور، وغيرها من المواقع ذات الأهمية الكبيرة... تتشكّل أمامنا خريطة روحية متكاملة، لا تُقرأ بالعيون فقط، بل تُعاش بالإيمان والتاريخ معًا.
وهنا تكمن أهمية توثيق هذه المسارات، ليس فقط من حيث تحديد مواقعها أو سرد تاريخها، بل في حفظ معانيها الروحية والثقافية، ونقلها إلى الأجيال القادمة. فالتراث، إذا لم يُوثَّق ويُفعَّل، يبقى عرضة للنسيان أو التشويه، بينما توثيقه يحوّله إلى قوة ناعمة تعزّز الهوية وتدعم الحوار.
كما أن السياحة الدينية في الأردن لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الاقتصادي فقط، بل يجب أن تُفهم كرسالة إنسانية وروحية، تعزّز صورة الأردن كجسر للحوار بين الأديان والثقافات، وتُبرز نموذجه الفريد في العيش اليومي بين المسلمين والمسيحيين، حيث تتجاور المقدسات الإسلامية والمسيحية في نسيج وطني واحد قائم على الاحترام المتبادل.
تحية لسمو الأميرة دانا فراس على جهودها الخيّرة في الحفاظ على تراث أردننا المقدّس، وتحية للمشاركين معنا في هذه الندوة: الأستاذ الدكتور إبراهيم الكردي، عميد كلية عمّون الجامعية التطبيقية، وعطوفة الأستاذ الدكتور فوزي أبو دنة، مدير دائرة الآثار العامة، والدكتور زيدان كفافي، نائب رئيس المجلس العلمي، والأستاذ الدكتور عامر الحافي من المعهد الملكي للدراسات الدينية.
[email protected]