facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أمريكا وإيران – حرب بلا اشتباك أم اشتباك بلا حرب؟


د. عبدالحفيظ العجلوني
26-04-2026 10:03 AM

في المشهد المأزوم بين الولايات المتحدة وإيران، تتردد فرضية تبدو جذابة للوهلة الأولى، مفادها أن واشنطن لم تعد تسعى إلى حسم الصراع بقدر ما تديره بإيقاع محسوب يطيل أمده. فإلى جانب الضغط الاقتصادي المباشر على طهران، توظّف الولايات المتحدة تداعيات الأزمة كورقة ضغط غير مباشرة وغير معلنة على منافسيها، وفي مقدمهم الصين، دون اكتراث كبير بالكلفة التي قد يتحملها حلفاؤها في الاتحاد الأوروبي ودول الخليج. لكن هذه القراءة، رغم أناقتها، تظل أقرب إلى التبسيط منها إلى التفسير الدقيق.

تقوم هذه الفرضية على ثلاث ركائز أساسية.

أولها: أن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، حققت جزءًا من أهدافها عبر إبطاء البرنامج النووي الإيراني، كما عكسته مسارات مثل الاتفاق النووي الإيراني 2015، وما تلاه من تحولات بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي 2018.

وثانيها: انتقال واشنطن إلى استراتيجية “النَّفَس الطويل”، القائمة على العقوبات والضغط الاقتصادي، ومحاولة تقييد حركة إيران في محيط مضيق هرمز وبحر العرب، بهدف الاستنزاف لا المواجهة المباشرة.

أما ثالثها: فيتمثل في السعي إلى تحقيق مكاسب مزدوجة: تعزيز موقع الولايات المتحدة في سوق الطاقة، وإضعاف اقتصادات منافسة تعتمد على استيراد الطاقة.

غير أن التدقيق في الواقع يكشف صورة أكثر تعقيدًا. ففكرة “تحقيق الأهداف” تبقى نسبية، إذ أظهرت إيران مرارًا قدرتها على إعادة بناء قدراتها خلال فترات قصيرة، ما يجعل أي إنجاز أمريكي في هذا السياق مؤقتًا بطبيعته. كما أن الحديث عن حصار شامل يبالغ في توصيف المشهد؛ فواشنطن، رغم أدواتها القوية، تتجنب الانزلاق إلى تصعيد قد يُفسَّر كعمل عسكري مباشر، كما حدث في لحظات التوتر التي أعقبت مقتل قاسم سليماني 2020، وكذلك خلال ضربات محدودة ورسائل ردع متبادلة في العراق وسوريا بين عامي 2023 و2024.

هنا تتجلى المعضلة الحقيقية للقرار الأمريكي. فتجنب الحرب لا يعكس ضعفًا، بل إدراكًا عميقًا لكلفتها المركبة. فالمواجهة المفتوحة لا تعني تفوقًا عسكريًا فحسب، بل شبكة معقدة من المخاطر: صواريخ قد تطال القواعد والمصالح، ووكلاء إقليميون يفتحون جبهات متعددة، واحتمال إغلاق مضيق هرمز بالكامل، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. عندها تتحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى صدمة اقتصادية عالمية ترتد آثارها على الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

أما على صعيد المكاسب الاقتصادية، فالصورة أقل بساطة مما يُروَّج له. صحيح أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يمنح واشنطن مزايا تصديرية ويعزز موقع الدولار، لكنه في المقابل يغذي التضخم الداخلي ويزيد من هشاشة الاقتصاد العالمي. النتيجة ليست أرباحًا صافية، بل توازن دقيق بين منافع محدودة وتكاليف حقيقية.

وفي ما يتعلق بالحلفاء، فإن القول بأن واشنطن تدير الصراع على حسابهم يحمل قدرًا من المبالغة، لكنه ليس خاليًا من الدلالة. فالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي تظل ركيزة استراتيجية، كما أن أمن الخليج جزء من منظومة المصالح الأمريكية. ومع ذلك، تُظهر التجربة أن الولايات المتحدة لا تتردد في تحميل حلفائها كلفًا جانبية عندما تتعارض مع أولوياتها، في إطار إعادة ترتيب لا قطيعة.

تبقى الصين الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فهي ليست الهدف المباشر للسياسة الأمريكية تجاه إيران، لكنها الأكثر تأثرًا بنتائجها، بحكم اعتمادها الكبير على استقرار إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد. وواشنطن تدرك هذا التأثير، وقد تستفيد منه كورقة جانبية، لكنها لا تراهن عليه كورقة حاسمة، لأن الفوضى في أسواق الطاقة لا تضرب بكين وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله.

ورغم هذا “الضبط المحسوب”، يبقى خطر الانفلات غير المقصود قائمًا. فحادثة محدودة، أو خطأ في التقدير، أو تصعيد من أحد الفاعلين الإقليميين—وفي مقدمتهم إسرائيل—قد يدفع الأمور سريعًا نحو مواجهة أوسع لا يريدها أحد، لكنها قد تفرض نفسها بفعل تراكم التوتر.

خلاصة القول إن الاستراتيجية الأمريكية لا يمكن اختزالها في خطة واعية لإطالة أمد الصراع أو جني أرباح اقتصادية، بقدر ما هي إدارة معقدة لواقع بلا خيارات مثالية. إنها، في جوهرها، سياسة تقليل الخسائر: تجنب حرب باهظة وغير مضمونة، مع استمرار الضغط على إيران، والحفاظ—قدر الإمكان—على حد أدنى من استقرار الأسواق. ما يبدو للبعض استنزافًا مريحًا ليس سوى إدارة دقيقة لأزمة مفتوحة، حيث لا انتصارات كاملة، بل اختيار دائم لأقل الأضرار الممكنة.

لكن السؤال الأصعب يبقى مفتوحًا: هل تنجح هذه السياسة في منع الحرب، أم أنها لا تفعل سوى تأجيلها… إلى لحظة قد تنزلق فيها الأمور إلى مآلات أعلى كلفة على الجميع؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :