جدلية السرديّين والسردينيّين
أ.د. طارق عبد القادر المجالي
26-04-2026 04:35 PM
يتباين الموقفان ويتنازعان آليات عرض السردية الأردنية، التي أطلقها سمو الأمير ولي العهد في الآونة الأخيرة، بين بعض (السرديين والسردينيين) ؛ بين تلك الفئة المُقطرة المُصفّاة كالمياه المعدنية الذين يتلونَ على السردينيين، وهم نهر الشعب المالح الذي تقطر أولئك منه ،وقد أطلوا عبر النوافذ الزرقاء العامة والخاصة يسردون حكايات عشوائية من حكايات الوطن ممزوجة بكوكتيل سيرهم الذاتية ومصالحهم الوقتية، فتبدو الكلمات من بين أسنانهم البيضاء المجلوّة بعناية وكأنها قطع متناثرة من غيوم صيف قائظ ، وبرق خلّب يومض دون أن يتبعه مطر.
الاختلاف بينهما ليس على السردية الأردنية، فهي رواية وطن متجذر، ونقش حجر وكفاح بشر، ومسيرة أهل وبر ومدر وحجر. مسيرة لا يطاولها جاحد أو حاقد، ولا يرتاب فيها مرتاب عيّاب نهّاب، فهي فضاء مفتوح ، وكتاب محفوظ في الصدور قبل السطور.
وتأسيسا على ما سبق، فلقد نهضت الإمارة الناشئة ، ومنذ مرحلة التأسيس عام 1921م بأن تكون نواة تحررية عروبية التوجه والهدف والمصير؛ لذا لا غرابة أن يفد إليها الشعراء والسياسيون واللغويون والمفكرون حبا وتوقا للأمير وللإمارة الفتية، فسالت أقلامهم وقتذاك عشقا وشعرا محفوظا في دواوين الشعراء ومذكراتهم وكتبهم ومساجلاتهم الشعرية ومطارحاتهم الأدبية في مجالس الأمير الأدبية كما نلمحها في عمانيات عبد المنعم الرفاعي، ووطنيات شاعر الثورة العربية فؤاد الخطيب، ويوميات تيسير ظبيان، وخير الدين الزركلي، ولغويات الشيخ مصطفى الغلايني ، وزهير الكرمي، وأشعار عبد المحسن الكاظمي والشنقيطي ونديم الملاح وغيرهم.
السردية الأردنية ما زالت ماثلة للعيان على مسلّة ميشع المؤابي، وتلافيف البتراء وخزنتها، وفي أعمدة الضياء والمدرجات المبسوطة في أم قيس وعمان وجرش.
في كل بقعة أثر وهُويّة ، ومع نسمات الأودية والسيول ترويدةً حرة تتغنى بها الهضاب وقارورة عطر أزلية، تنشر شذاها في البطاح، وتصدح بها المآذن والكنائس والقلاع.
السردية الأردنية تشرئب لها الأعناق زهوا، لتتنسمَ نجيع شهدائها، وتضحيات أبنائها ودموع نسائها، وبوح أدبائها، لا من خلال أولئك السرديين المستجدين الأغرار على الكتابة الإعلامية والاتصال الجماهيري، تراهم يظهرون في كل تعليلة كالكمأ أو بثور الوجه دون سبب أو عرض أو مرض ، قناصو فرص ومنتهزو مناسبات وعاشقو صور ، بإطلالات كرنفالية هم فيها أشبه بخيول المهرجانات المزركشة لا للعدو بل لتزيين المكان برائحة روث الخيول، وإعجاب الجمهور ، يظنون أنهم هم الوحيدون الذين يمتلكون ناصية الحقيقة فيفرون من علبة الجبن في كل مكان للقاء السردينيين المتعبين من زحام العلبة . غير أن أهواءهم الذاتية ورغباتهم الخاصة ، ونواياهم المكشوفة لا تخفى على أحد.
إنهم يقدمون سردياتهم الخاصة ،وكأنها هي حكاية الوطن فيستجلبون ويستحلبون لها قصصا رومانسية هم أبطالها الخالدون ، قصصا يغلب عليها طابع الارتجال والإنشائية المفرطة حدّ ( السوبرمانية) أو الغرور والنرجسية الوطنية، بل افتقارها إلى أدنى منهجية علمية من توثيق أو تحقيق. هم سرديون نفعيون يُطلّون على السردينيين الغلابا من خلال نظاراتهم المحدّبة، وجيوبهم المنتفخة، ومناصبهم المتوارثة، لذلك لا يمكن قطعا، أن تستجيب علبة السردين ونزلائها لأقوال من هم في علبة جبن المثلثات التي يشكل كل مثلث جبن جزءا من الدائرة بألوانها الزاهية المتناسقة . القطعة جزء من الدائرة التي يصعب اختراقها من آخرين ، لأنهم يفسدون شكل العلبة. كيف لعلبة السردين المعدنية التي يتزاحم فيها الأخوة الأعداء بحثا عن هواء نقي خارج العلبة أو درءا للصدأ ، والروائح اللامشتهاة ، كما يظنون، أن تقتنع بما تثرثر به عليها علبة جبن فاتنة لونا ومذاقا وشكلا ؟ البون شاسع بين من يده في النار، يحفظ السرديّة الوطنية العمليّة عن ظهر قلب ومن يده في السراب يحسبه الظمآن ماء. و صدق شاعر الأردن( عرار) حين عبّر عن عالَمين مختلفين طبقيا واجتماعيا ،بقوله:
أوما تراني قد شبعت على حساب الأكثريّة
ولبست إذ قومي عراة غير ما نسجت يديّه
وأكلت بسكوتا وهذا الشعب لا يجد القليــّة
فإذا كان الأمر كذلك، فإنني أزعم أن السردية ، كما نعلّمها لطلبتنا، هي أحداث متتابعة متّسقة، يأتي بعضها في إثر بعض، لكن ما يؤخذ على كثير من سرديّي هذه المرحلة أنهم توقفوا وتحلقوا حول الماضي وحسب، علما أن السردية هي مثلث متساوي الأضلاع؛ فالضلع الواحد وحده لا يقدّم إلا مثلثا مشوها منقوصا؛ لأن الماضي، على أهميته العظمى، ليس تاريخا يروى ويطوى، ولا موروثا محنطا مجمدا ، ولا منسفا على حطب أو زرب ، ولا في ربابة مقطوعة الأوداج تخن ألما من دغدغة عازف هاوِ ، ولا( مدرقة ) زاهية الألوان على رأس حسير، ولا في قصيدة بدوية( هايبرد) لا تقول ما يُفهم ولا نفهم ما يُقال
أين الضلع الثاني والثالث: الحاضر والمستقبل من سرديتكم العرجاء؟ أين سردية الحاضر في مواجهة الفساد والمحسوبية، وعدم تكافؤ الفرص؟ وأين سردية المستقبل في حلّ مثل هذه المعضلات الضاغطة؟
ولهذا كله، فأوصي بإطلاق مشروع نهضوي وفكري تتبناه وزارة الثقافة، لا على طريقة التعامل معه بالقطعة أو المفرق، بل مشروع قد يستغرق سنوات من العمل الشاق المضني، من خلال لجان متخصصة في شتى مجالات المعرفة لكتابة الرواية الأردنية الموثقة منهجيا لا عاطفيا ، ووضع خطط واقعية للحاضر الذي نواجه فيه أعتى التحديات الاجتماعية والاقتصادية والاستلاب الثقافي ، والنموذج الماثل أمامنا هو ما قامت به دولة قطر الشقيقة في إنجاز مشروع ضخم سدّ ثغرة في المكتبة العربية، وهو المعجم التاريخي للغة العربية
إننا أمام تحدِ كبير لجمع الوثائق والمخطوطات والمطبوعات والموروث الشفوي والمكتوب والرؤى الوطنية والخطط المستقبلية لتشكيل سردية متكاملة سردية أمة بكل مكوناتها وأطيافها ومشاربها الفكرية، وحركة الإنسان وثبات المكان فيها، سردية تنهض بأضلاعها المتساوية زمانا وإنسانا ومكانا وكتابا مفتوحا بفصوله الزاهية مقدمةً وعرضا بلا خاتمة.