facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصالونات .. عمّان تُفكّر بصوتٍ عال


د. هيفاء ابوغزالة
27-04-2026 05:36 PM

في مدينةٍ تعرف كيف تُصغي قبل أن تتكلم، وتفكّر قبل أن تُقرّر، لم تكن الصالونات السياسية والثقافية في عمّان مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تعبيرًا عميقًا عن لحظة وعيٍ تتشكل، وعن حاجةٍ ملحّة لاستعادة المعنى في زمنٍ يفيض بالمعلومات ويعاني من فقر الفهم. هنا، في قلب العاصمة التي تقف على تماسٍ دائم مع تحولات الإقليم واضطراباته، لم يعد الحوار ترفًا، بل ضرورة… ولم تعد الفكرة ضيفًا، بل أصبحت صاحبة الدار

وفي مدينةٍ تتقاطع فيها السياسة مع الذاكرة، ويختلط فيها ثقل الجغرافيا بقلق الإقليم، لم يكن انتشار الصالونات السياسية والثقافية في عمّان ظاهرة عابرة، ولا ترفًا نخبويًا، بل استجابة واعية لتحوّلٍ في مزاج المجتمع، وعودة ذكية إلى تقاليد عربية عريقة كانت ترى في “المجلس” مساحة للفكر لا مجرد مكانٍ للقاء.

لقد عادت عمّان إلى لغتها الأولى: الحوار.

السبب الأبرز لهذا الانتشار هو شعور متنامٍ بأن المنصات التقليدية لم تعد تكفي. الإعلام الرسمي محكوم بإيقاعه، والمنصات الرقمية سريعة لكنها سطحية ومشحونة، والمؤسسات الأكاديمية بطيئة الحركة. هنا ظهرت الصالونات كمساحة ثالثة: أكثر حرية من الأولى، وأكثر عمقًا من الثانية، وأكثر مرونة من الثالثة. مساحة تتيح للنخبة، وللمعنيين، بل وحتى للمهتمين، أن يتحدثوا دون بروتوكولٍ ثقيل، ولكن أيضًا دون فوضى.

ثمّة سبب آخر لا يقل أهمية: الحاجة إلى الفهم، لا مجرد المعرفة. في زمن الأزمات المركّبة، لم يعد كافيًا أن نتابع الخبر، بل أصبحنا بحاجة إلى تفكيكه. الصالونات هنا تؤدي وظيفة “المفسّر الجماعي” للواقع، حيث تتقاطع خبرات السياسي مع قراءة الأكاديمي، ومع حسّ الصحفي، ومع تساؤلات الجيل الجديد.

وما يُطرح في هذه الصالونات ليس بعيدًا عن نبض الشارع، بل هو انعكاسٌ واعٍ له. فمرتادوها من شريحة متميزة من سياسيين وإعلاميين ومفكرين، كان لمعظمهم أثر سابق في صياغة العديد من القضايا العامة، وهم اليوم يعودون إلى الطاولة ذاتها، ولكن بأدواتٍ أعمق، وخبرةٍ أثقل، ورغبةٍ أوضح في الفهم والتأثير.

السياسة تحضر بقوة: تحولات الإقليم، مآلات القضية الفلسطينية، العلاقات الدولية، وأدوار الدول في عالمٍ متغيّر. الاقتصاد كذلك حاضر، ولكن بلغة الأثر لا الأرقام فقط: كيف يعيش الناس؟ كيف تُصاغ الفرص؟ وأين يختبئ الخلل؟ الثقافة أيضًا تجد مكانها، من أسئلة الهوية إلى دور الإعلام والفن في تشكيل الوعي، وصولًا إلى قضايا التعليم والمرأة والشباب.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الصالونات لا تكمن في الطرح وحده، بل في إمكانية تحويل هذا الطرح إلى قوةٍ ناعمة تُسهم في صناعة القرار.

فهذه الصالونات تمثل، في جوهرها، مرصدًا متقدمًا للرأي العام النخبوي؛ ما يُناقش فيها ليس مجرد حديثٍ عابر، بل قراءة مركبة للشارع، يمكن للدولة من خلالها التقاط الإشارات المبكرة قبل أن تتحول إلى أزمات. وهي أيضًا مختبر غير رسمي للسياسات، تُختبر فيه الأفكار، وتُناقش فيه المبادرات، وتُقاس فيه ردود الفعل دون كلفةٍ سياسية مباشرة.

كما أنها تتيح بناء قنوات تواصل ذكية مع النخب المؤثرة، تعيد وصل ما انقطع بين صانع القرار ومحيطه الفكري، وتمنح السياسات فرصة أن تُفهم لا أن تُفاجئ. وفي الوقت ذاته، تشكّل هذه المجالس بنك أفكار بشريًا حيًا، يمكن إن أُحسن استثماره أن يتحول إلى رافدٍ حقيقي للجان الاستشارية، والحوار الوطني، وتطوير الخطاب العام.

بل إن ما يُطرح في هذه الصالونات يكشف أحيانًا عن فجواتٍ في السردية الرسمية، أو عن حاجةٍ لإعادة صياغة الرسائل السياسية والإعلامية، بما يجعلها أكثر التصاقًا بالواقع وأكثر قدرة على الإقناع. وهنا، يصبح الإصغاء ليس مجرد استماع، بل أداة لتحديث الرؤية.

غير أن هذه الظاهرة، رغم أهميتها، تحتاج إلى ما يحميها من الانزلاق إلى النخبوية المغلقة، أو التكرار العقيم. فالتحدي ليس في كثرة الصالونات، بل في جودة ما يُطرح فيها، وفي قدرتها على أن تظل مفتوحة، متجددة، وقريبة من الناس.

وفي زمنٍ يعلو فيه الضجيج وتضيق فيه مساحات الإصغاء، تبدو الصالونات السياسية والثقافية في عمّان كفعل مقاومة هادئ… مقاومة للسطحية، وللأحكام الجاهزة، ولانقطاع المعنى. هي ليست مجرد لقاءات، بل مشروعٌ غير معلن لإعادة بناء العقل الجمعي على قاعدة الحوار لا الصراع، وعلى الفهم لا الانفعال. وإذا ما أحسنت الدولة التقاط ما يدور فيها، وتحويله إلى سياساتٍ أكثر وعيًا واتصالًا بالواقع، فإن هذه الصالونات لن تكتفي بتفسير ما يحدث… بل ستسهم في صناعة ما سيحدث. عندها فقط، تتحول عمّان من مدينةٍ تناقش أفكارها… إلى مدينة تصنعها .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :