facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمر العبداللات في ميزان النقد


أمل محي الدين الكردي
27-04-2026 08:25 PM

هل ننصف المبدعين أم نكرس النشاز ؟

تُعد اللغة، بلهجاتها وتفاصيلها العميقة، ليست مجرد أداة للتواصل اليومي، بل هي خزاان الذاكرة الوطنية ووعاء الهوية الذي يحمل ملامحنا وتاريخنا. ومن هذا المنطلق، يصبح الفن –بكل أشكاله– مرآةً لهذه الهوية، إما أن يصقلها ويعلي من شأنها، أو أن يغرقها في وحل السخرية والتهريج. وما نلمسه اليوم في الساحة الفنية الأردنية يضعنا أمام مفارقة مؤلمة: لماذا نبالغ في انتقاد من يحاول حماية تراثنا، بينما نصمت صمتاً مطبقاً تجاه من يغتال هويتنا ولهجتنا؟

إن الحديث عن الفنان عمر العبداللات لا ينفصلل عن الحديث عن "المشروع الوطني" في الفن. فعندما قدم العبداللات أغنيته التي استحضرت اللهجة الجنوبية (الكركية) –مثل "شلونكي وعلامكي"– لم يكن هدفه مجرد "أغنية عابرة" تضاف إلى رصيده، بل كان فعلاً ثقافياً يهدف إلى توثيق هذه اللهجة وتقديمها للجمهور العربي بعز وفخر.

قد يختلف البعض حول تفاصيل تقنية في اللفظ نتيجة "الضرورات الموسيقية" التي يفرضها اللحن، وهذا نقاش فني مشروع، لكن أن يتحول هذا الاختلاف إلى "هجوم" وتشكيك، فهنا تكمن المعضلة. إن العبداللات، بمسيرته الطويلة، كان دائماً سفيراً للأصالة؛ لم يخبص في تراثنا، ولم يسخر من بيئتنا، بل جعل من اللهجة الأردنية عنواناً للكرامة والشموخ. فهل أصبح "الجلد" أسهل من "التقدير"؟

في المقابل، نواجه ظاهرة مقلقة لأشخاص، غالبيتهم من خارج النسيج الاجتماعي الأردني، اتخذوا من "اللكنة الأردنية" مادة دسمة لـ "الكوميديا الرخيصة". هؤلاء لا يقدمون فننا ولا يعبرون عن ثقافتنا، بل يمارسون "تشويهاً ممنهجاً" عبر تكرار صور نمطية مبتذلة، وحركات تفتقر للذوق العام، وتوظيف اللهجة في سياقات تُشعر الأردني بالإهانة والانتقاص من قيمته.

المفارقة العجيبة أننا نرى جيوشاً إلكترونية ومنتقدين يفرغون شحنات الغضب في "البيت الداخلي"، يترصدون الفنان الأردني الأصيل، بينما يغضون الطرف عن هؤلاء "المتسلقين" الذين يسيئون لهيبة المجتمع وكرامة الإنسان الأردني تحت مسمى "الترفيه."

إن هذا التباين في ردود الفعل يطرح تساؤلاً وجودياً: هل فقدنا بوصلة النخوة؟

عندما نصمت عن "الإسفاف" الذي يقدمه البعض، فإننا نمنحهم صكاً لمواصلة التشويه. وعندما نهاجم "الأصيل" لأنه أخطأ في تقدير لحنٍ أو حرفٍ، فإننا ندفع المبدعين للابتعاد عن التراث خوفاً من "المقصلة الشعبية."

إن المسؤولية الوطنية تقتضي منا:
التمييز بين "الاجتهاد الفني" وبين "الإساءة المتعمدة": الفرق شاسع بين فنان يحاول تقديم تراثه (حتى لو أخطأ) وبين مهرجٍ يرتزق من إهانة اللهجة.
رفع سقف الوعي النقدي: لا يجب أن تكون الكوميديا "درعاً" يحمي المسيء من النقد. الفن الذي يهين لا يستحق الضحك، بل يستحق المقاطعة.
إن بقاء الفن الأردني يعتمد على احتضاننا لمن يرفعون اسمنا عالياً، لا على طعنهم في الظهر وتجاهل "الغرباء" الذين يعبثون بنسيجنا الثقافي.

لقد آن الأوان لنتوقف عن جلد الذات على "الفاضي والمليان"، وأن نوجه سهام نقدنا نحو من يستحقها فعلاً؛ أولئك الذين يسيئون لهيبتنا وقيمنا. فالحرية والغيرة الوطنية تبدآن بالدفاع عن هويتنا ممن يحاولون تمييعها، وتنتهيان باحترام من يحاولون إحياءها وتخليدها.

إن الهوية ليست قابلة للمساومة، ومن لا يغار على لهجته وصورته أمام العالم، فلا ينتظر من الآخرين أن يحترموه.

لا بد من كلمةِ إنصافٍ تليقُ بفنانٍ حملَ على عاتقهِ أمانةَ "الكلمةِ الأردنيةِ" وصصونها. تحيةَ تقديرٍ وإجلالٍ للفنان الكبير عمر العبداللات، الذي لم يغنِ لغاياتٍ تجاريةٍ عابرة، بل كان سفيراً أميناً للهوية الأردنية. لقد استطاع بصوتهِ وأدائهِ أن يُعبرَ باللكنةِ الأردنيةِ –بكل عراقتها وتفاصيلها– ويجعلها لغةً مفهومةً ومحبوبةً في كل أرجاء الوطن العربي، من محيطه إلى خليجه. لقد جعل من "الكلمة الكركية" والجنوبية وكل مفرداتنا التراثية وساماً يُفتخر به على المسارح العربية الكبرى، مؤكداً لنا جميعاً أنَّ الفنَّ حين يخرجُ من القلبِ ويتمسكُ بالجذور، لا بد أن يصلَ إلى القلوبِ ويفرضَ احترامَهُ على الجميع.

شكراً لأنك بقيتَ الصوتَ الذي نعتزُّ به، والرمزَ الذي حملَ اسم الأردن عالياً بلهجتهِ وأصالته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :