facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نأكل اليوم .. فمن يزرع للغد


د. هيفاء ابوغزالة
30-04-2026 10:44 AM

في زمنٍ تُقاس فيه الإنجازات بسرعة تحققها، وتتحدد فيه القيمة بما يُحصد فورًا، يتراجع سؤال أكثر عمقًا وأشد إلحاحًا ، من يعمل للغد؟
لم يعد التحدي في تحقيق النتائج، بل في امتلاك الصبر الكافي لصناعة ما يتجاوز أعمارنا. هنا تحديدًا تُختبر الأمم، لا بما تستهلكه، بل بما تتركه.

“زرعوا فأكلنا… ونزرع فيأكلون” ليست عبارة عاطفية تُقال في لحظة حنين، بل قاعدة صلبة قامت عليها استمرارية المجتمعات.
هي الفكرة التي جعلت الإنسان يتجاوز ذاته، ويفكر بما بعد عمره، ويؤمن أن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما يورثه فكرًا كان أم عملًا أم أثرًا.

لكن هذا المنطق لم يعد حاضرًا كما كان.
لقد فرض إيقاع العصر ثقافة مختلفة، ثقافة تختصر الزمن، وتستعجل النتائج، وتتعامل مع المستقبل كامتداد غير مضمون بدل أن يكون مسؤولية.
صار السؤال الأكثر حضورًا: ماذا سنجني الآن؟
وتراجع السؤال الأهم: ماذا سيبقى بعدنا؟

في ظل هذا التحول، لم تعد المجتمعات مهددة بندرة الموارد بقدر ما هي مهددة بندرة الرؤية.
حين يُستبدل التخطيط طويل الأمد بحلول سريعة، وحين تُدار الأولويات وفق ضغط اللحظة لا منطق الاستمرارية، يصبح المستقبل عبئًا مؤجلًا، لا مشروعًا يُبنى.

إن “الزرع للمستقبل” ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط البقاء.
فكل استثمار في المعرفة هو تحصين للعقل، وكل ترسيخ للقيم هو حماية للنسيج الاجتماعي، وكل بناء للثقة هو أساس لاستقرار لا يُشترى.
وحتى أبسط القرارات، حين تُبنى بمنطق الأثر لا بمنطق اللحظة، تتحول إلى لبنة في بناء طويل لا يُرى فورًا، لكنه يُحفظ عبر الزمن.

المشكلة أن ثمن تجاهل هذا المنطق لا يُدفع مباشرة، بل يتراكم بصمت.
تظهر نتائجه على شكل فجوات في الوعي، أو هشاشة في البناء، أو أزمات كان يمكن تجنبها لو زُرع لها مبكرًا.
وهنا تكمن خطورته: أنه لا يُلفت الانتباه إلا بعد أن يصبح واقعًا.

الزرع الحقيقي لا يعني فقط ما يُنتج، بل ما يُرسّخ.
أن تُبنى أجيال قادرة على التفكير، لا مجرد التلقي.
أن تُغرس قيم تُوجّه السلوك، لا شعارات تُردّد.
وأن يُصنع وعي يرى المستقبل امتدادًا طبيعيًا للحاضر، لا عبئًا منفصلًا عنه.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، بوضوح ودون مواربة، ليس: ماذا نملك؟
بل: ماذا نترك؟

لأن الفرق بين مجتمعٍ يمرّ عبر الزمن، ومجتمعٍ يصنعه،
هو أنه إما أن يستهلك ما بين يديه، أو يستثمر فيما بعده.

ولا تُقاس قوة المجتمعات بما تملكه اليوم، بل بما تضمنه للغد.
الزرع ليس فعلًا زراعيًا، بل موقف من الحياة: إما أن نكون جزءًا من سلسلة البناء، أو حلقة في سلسلة الاستهلاك.

“زرعوا فأكلنا… ونزرع فيأكلون” ليست حكمة تُروى، بل مسؤولية تُحمل.
ومن لا يزرع اليوم، لن يجد غدًا ما يأكله… ولا ما يورثه





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :