تأجيل الانتخابات البلدية .. 6 أشهر تُطيح باللامركزية وتُعيد إنتاج المركزية
الدكتور علي فواز العدوان
30-04-2026 04:20 PM
لم يكن قرار مجلس الوزراء بتأجيل الانتخابات البلدية لمدة ستة أشهر، والمنشور في الجريدة الرسمية الأردنية، مجرد إجراء إداري مؤقت، بل قراراً بثقل تعديل في قواعد الحوكمة المحلية، يمس جوهر فلسفة اللامركزية التي تأسست عليها التجربة الأردنية بموجب قانون الإدارة المحلية الأردني.
في ميزان الحوكمة، لا يُقرأ التأجيل بوصفه تأخيراً زمنياً فحسب، بل باعتباره قراراً ذا كلفة تراكمية تمتد إلى الشرعية المحلية، وكفاءة الإنفاق، واستدامة المشاريع. فستة أشهر في عمر البلديات كفيلة بإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والإدارة، وبين المواطن وصندوق الاقتراع.
اجتماعياً، تبدأ المخاطر من تآكل الشرعية التمثيلية، حيث تفقد المجالس الممددة أو المُدارة مؤقتاً جزءاً من تفويضها الشعبي، ما يضعف الثقة ويخلق فجوة متنامية مع المجتمع. ومع غياب القناة الانتخابية الدورية، يرتفع منسوب الاحتقان، وقد تتجه التعبيرات نحو مسارات غير مؤسسية. وفي ظل تراجع المنافسة الانتخابية، تضعف أدوات المساءلة المجتمعية، من إعلام محلي ومبادرات أهلية، ويتعمق اختلال العدالة التمثيلية، خصوصاً على حساب الفئات الهشّة التي كانت تجد في الانتخابات فرصة لإعادة التموضع.
اقتصادياً، تتجلى الكلفة في تباطؤ دورة المشاريع، إذ تميل الإدارات المؤقتة إلى الحذر، فتتراجع الجرأة في إطلاق مشاريع رأسمالية أو اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد. ويُعاد ترتيب الأولويات بشكل غير كفؤ، حيث يتقدم الإنفاق التشغيلي (OPEX) على حساب الإنفاق الاستثماري (CAPEX)، ما يؤخر مشاريع البنية التحتية. ومع ارتفاع حالة عدم اليقين، ترتفع كلف التنفيذ بفعل المطالبات التعاقدية وأوامر التغيير، وتتراجع ثقة المستثمر المحلي الذي يبحث عن شريك مستقر ومفوَّض. كما تتعرض بعض الفرص التمويلية للهدر، خاصة تلك المشروطة بوجود خطط محلية مُقرة من مجالس منتخبة.
تنظيمياً وإدارياً، يخلق التأجيل حالة من تشوّش سلاسل القرار، نتيجة تداخل الصلاحيات بين المركز والمستوى المحلي، ما يبطئ الإجراءات ويعقّدها. ويترافق ذلك مع تضخم النزعة المركزية على حساب اللامركزية، فتتراجع مرونة القرار المحلي. كما تتأثر عملية التخطيط الاستراتيجي، إذ تفقد الخطط متوسطة وطويلة الأمد استمراريتها بغياب مجالس مستقرة. ويزداد خطر ضعف الحوكمة والامتثال، في ظل تراجع الرقابة المنتخبة، إلى جانب فقدان الذاكرة المؤسسية نتيجة التمديد أو التعيين المتكرر.
وعلى مستوى المشاريع، قد تستمر الخدمات الأساسية كالنظافة والطرق والصرف الصحي، لكنها تظل في إطارها التشغيلي، فيما تتأثر المشاريع التحويلية الكبرى، كالنقل العام المحلي وإدارة النفايات المتكاملة وتطوير مراكز المدن. كما تتباطأ الشراكات مع القطاع الخاص لغياب جهة منتخبة تملك تفويضاً طويل الأمد، وتميل أولويات الإنفاق نحو التسكين قصير الأمد بدلاً من الاستثمار المنتج.
غير أن التحدي لا يكمن في القرار بحد ذاته، بل في كيفية إدارته. فالتأجيل، إن فُرض، يحتاج إلى تحصين مؤسسي واضح: إطار زمني معلن وغير قابل للتمديد، حوكمة انتقالية دقيقة تحدد صلاحيات الإدارات المؤقتة، وقيود صارمة على التعاقدات طويلة الأجل. كما يصبح من الضروري نشر بيانات دورية عن المشاريع لتعويض غياب المساءلة الانتخابية، وتفعيل لجان مجتمعية استشارية لضمان تمثيل المصالح المحلية، وحماية المشاريع الاستراتيجية عبر قوائم أولوية وطنية لا تتأثر بتغير المجالس، إلى جانب تعزيز دور الرقابة المؤسسية.
أعتقد أن تأجيل الانتخابات يخلق بيئة “إدارة بلا تفويض كامل”، تضغط على الثقة والكفاءة في آن واحد. والمعالجة لا تكون فقط بتقليص مدة التأجيل، بل ببناء آليات تعويض حقيقية للشرعية والمساءلة، حتى لا تتحول اللامركزية إلى مركزية مقنّعة، ولا تتحول مشاريع البلديات من رافعة تنمية إلى عبء مؤجل.