التحوط في البنوك الإسلامية .. فجوة حوكمة تستحق النقاش
د. محمد فخري صويلح
03-05-2026 08:52 AM
في عالم مالي يتسم بالتقلب، لا تُختبر المؤسسات بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بقدرتها على حمايتها،،، والتحوط في هذا السياق ليس أداة فنية، بل معيار نضج مؤسسي وقرار سيادي يعكس جودة الحوكمة ورشد الإدارة،،، وفي بيئة تتقلب فيها أسعار السلع والعملات، قد يؤدي غياب أدوات تحوط فعالة إلى تآكل عوائد سنوات، لا بسبب سوء الأداء، بل بسبب غياب الإطار الذي يحكمه،،، وهنا تحديداً يظهر مفهوم التحوط، ليس كأداة فنية، بل كمرآة تعكس مستوى نضج المؤسسة المالية، وقرارات إدارتها واتساق هذه القرارات.
لكن السؤال الذي يُراود البعض داخل مجالس إدارات البنوك الإسلامية اليوم: هل نمتلك منظومة تحوط حقيقية،،، أم أن إدارة المخاطر ما زالت في بعض الحالات أقرب إلى الامتثال منها إلى التمكين الاستراتيجي؟
ومما لا شك فيه أن البنوك الإسلامية حققت تطوراً مهماً في بناء أطر إدارة المخاطر والالتزام، إلا أن التحدي القادم لم يعد في وجود الأطر، بل في قدرتها على الانتقال من الحماية إلى صناعة القرار، والفرصة الاستراتيجية أمام البنوك الإسلامية اليوم ليست في تطوير أداوت التحوط فحسب، بل في إعادة تعريف موقع التحوط داخل منظومة القرار المؤسسي فيها.
ولعل هذا السؤال الاستراتيجي الذي يلامس عقل المؤسسات التنظيمية الرقابية، كما يلامس عقل مجالس الإدارات يحتاج إلى لغة تأصيلية منهجية تستجيب لعدة انتباهات، مبنية على أن المخاطر لا تُدار بتجنبها، بل بفهمها والتحكم بها.
أولاً: الخطر ليس استثناءً… بل هو القاعدة.
فكل محفظة تمويل، وكل استثمار، وكل مركز مالي في المؤسسات المالية وعلى الرأس منها البنوك تتعرض بشكل مباشر أو غير مباشر لمخاطر السوق، ومنها تقلبات الأسعار، والعملات، والسيولة، وحتى سلوك العملاء،،، فهذه ليست أحداثاً طارئة، بل طبيعة ملازمة للنشاط المصرفي.
ومع ذلك، لا يزال التعامل مع هذه المخاطر في كثير من البنوك الإسلامية يتم بمنطق التقليل من التعرض، لا إدارة التعرض بذكاء واحترافية،، والفرق بينهما جوهري، الأول يقيّد النمو، والثاني يحميه.
ثانياً: التحوط،،، الغائب الحاضر في أجندة المجالس.
رغم إدراج إدارة المخاطر كبند أساسي في تقارير اللجان، إلا أن التحوط كأداة تنفيذية لا يحظى بنفس المستوى من النقاش الاستراتيجي داخل مجالس الإدارة،،، وغالباً ما يتم التعامل معه كمسألة فنية تُترك للإدارات التنفيذية، أو كموضوع حساس يُفضّل تجنبه بسبب التعقيدات الشرعية والتشغيلية فيه.
لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها: أن غياب سياسة تحوط واضحة لا يعد موقفاً محايداً،،، بل يعني عملياً قبول مستوى من المخاطر دون إطار مؤسسي كافٍ لإدارته وقياسه.
ثالثاً: هل المشكلة شرعية،،، أم إدارية؟
الإطار الشرعي لم يكن يومًا عائقًا أمام التحوط، بل كان دائمًا أداة ضبط توازن بين إدارة المخاطر ومنع الانحراف، وهو ما يضع على عاتق المؤسسات مسؤولية تطوير أدوات أصيلة تعكس هذا التوازن بدل الاكتفاء بتفسير القيود،،، فالتراث الفقهي والعقود الإسلامية يقدمان نماذج واضحة لإدارة المخاطر، مثل تثبيت الأسعار في عقود السَّلَم، وإدارة الالتزامات عبر العقود المتوازية، والحد من مخاطر التراجع باستخدام العربون، وغيرها الكثير من أدوات التحوط المقبولة شرعاً والتي تلبي حاجات البنوك الإسلامية في نشاطها التشغيلي مع الأفراد والشركات، وحتى في عقود الاستثمار والخزينة وفي العقود الكبرى،،، وهذا يعني أن الإطار الشرعي لا يمنع التحوط، بل يوجّهه.
وبالتالي، فإن الإشكالية الحقيقية تكمن في غياب التصميم المؤسسي للأدوات التي تدير التحوط، لا في غياب المشروعية.
رابعاً: الاعتماد الصامت على أدوات لا تعكس خصوصية النموذج الإسلامي.
والمفارقة أن بعض البنوك الإسلامية – بشكل مباشر أو غير مباشر – تعتمد على بيئة مالية تقليدية توفّر أدوات التحوط، دون أن تمتلك هي نفسها أدوات مستقلة.
وهو ما يخلق وضعاً هشّاً، حيث تصبح قدرة البنك على إدارة مخاطره مرتبطة بأدوات لا تعبّر عن نموذجه، ولا تخضع لسيطرته الكاملة.
وهنا يجب أن يُطرح السؤال على مستوى المجلس: هل نقبل أن تكون إدارة مخاطرنا معتمدة على منظومة خارج فلسفتنا التشغيلية؟
خامساً: التحوط كقضية حوكمة،،، لا كمنتج مالي.
ولعل أحد أهم الأخطاء الشائعة هو التعامل مع التحوط كمنتج مالي إضافي، بينما هو في جوهره قضية حوكمة استراتيجية،،، فالتحوط الفعّال يتطلب وضوح شهية المخاطر على مستوى المجلس، وتكامل بين إدارة المخاطر والالتزام الشرعي، إضافة إلى وجود سياسات معتمدة للتحوط ضمن إطار الحوكمة.
وبدون هذا التكامل، تتحول إدارة المخاطر إلى وظيفة رقابية شكلية، لا أداة لصناعة القرار.
سادساً: ما الذي يجب أن يتغير؟
وعلى مستوى مجالس الإدارة، يمكن النظر إلى التحوط من خلال رباعية حاكمة، تبتدئ باعتماد سياسة تحوط مؤسسية مصادق عليها، وربط التحوط بإطار شهية المخاطر، وإدماج أدوات التحوط ضمن حوكمة المنتجات المالية الإسلامية، وأخيراً، قياس أداء الإدارة على أساس العائد المعدل بالمخاطر لا العائد المجرد، وهو توجه يتقاطع مع ما تدعو إليه المعايير الدولية في إدارة المخاطر،،، إضافة إلى ضرورة مناقشة التحوط بصورة منهجية ضمن ممارسات مجالس الإدارة وبشكل دوري حماية للقيمة المؤسسية ومنعاً لإهدارها.
كما أن الجهات التنظيمية مدعوة للانتقال من دور الضبط إلى دور التمكين المنضبط، بما يفتح المجال للابتكار والتطور دون الإخلال بالاستقرار.
الاختبار الحقيقي لمجالس الإدارة.
ختاماً،،، لا يُختبر مجلس الإدارة في قدرته على الموافقة على الخطط، بل في قدرته على طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب.
كما أن التحوط في بيئة مالية تتسم بالتقلب والغموض وعدم اليقين، لم يعد خياراً إضافياً، بل امتداد طبيعي لحوكمة رشيدة وإدارة مسؤولة للمخاطر،،، والتحدي الحقيقي أمام البنوك الإسلامية اليوم ليس اختبار للأدوات، بل اختبار لقدرتها على تحويل مبادئها إلى قرارات.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل البنوك الإسلامية في بيئة متقلبة غامضة هو:هل نمتلك الشجاعة لإعادة تعريف التحوط ضمن نموذجنا وممارساتنا التشغيلية،،، أم سنبقى نتحرك داخل هامش ضيق من الحذر؟
مع ضرورة الانتباه إلى أن تطوير أدوات التحوط الإسلامية يتطلب تناغماً بين الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية، بما يحقق التوازن بين الاستقرار والابتكار والامتثال.
إن التحوط ليس رفاهية تمارسها البنوك باستحياء أو رهبة، وليس خياراً تقنياً محضاً، بل هو قرار استراتيجي يعكس مستوى النضج المؤسسي، ومدى الرشد في تصريف شؤون المؤسسة المصرفية والانتقال بها نحو حالة من التمكين المؤسسي والاستقرار الرشيد، فالبنك الذي لا يملك سياسة تحوط،،، هو بنك يراهن على الاستقرار، ولا يديره.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار