100 مدرسة .. خطوة نحو تعليم نوعي ومستقبل أفضل
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
03-05-2026 01:20 PM
يشكّل الاستثمار في التعليم أحد أهم ركائز التنمية المستدامة، ويعدّ بناء المدارس وتطوير البيئة التعليمية من أبرز المؤشرات على جدية أي مجتمع في صناعة مستقبله. وفي الأردن، يبرز هذا التوجه من خلال تكامل الأدوار بين القيادة الهاشمية والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص، بما يعكس رؤية شمولية تهدف إلى بناء نظام تعليمي حديث يواكب متطلبات العصر.
في هذا السياق، تتقدّم الرؤية الوطنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي وضع التعليم في صدارة أولويات الدولة، باعتباره حجر الأساس في بناء الإنسان الأردني. وقد تجلّت هذه الرؤية عبر التوجيهات المستمرة لتطوير المناهج، وإدماج التكنولوجيا في العملية التعليمية، وتحسين البيئة المدرسية، إلى جانب دعم الشراكات مع القطاع الخاص لتعزيز جودة التعليم وتقليل التحديات، وعلى رأسها الاكتظاظ.
وبالتوازي مع هذه الرؤية، يقود سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني العديد من المبادرات الشبابية والتعليمية التي تستهدف تمكين الجيل الجديد. وتركّز هذه المبادرات على تنمية المهارات الرقمية، وتعزيز ثقافة الريادة والابتكار، وربط الشباب بفرص التعليم والتدريب الحديثة، مع اهتمام خاص بالتعليم التقني والمهني بوصفه أداة فاعلة لمعالجة البطالة وتلبية احتياجات سوق العمل. ويبرز دور القيادات الأكاديمية، ومنهم د عزمي محافظة وفريق الوزارة، في ترجمة هذه الرؤى إلى سياسات تعليمية قابلة للتطبيق، من خلال تطوير التعليم العالي، وتعزيز الحوكمة في المؤسسات الأكاديمية، وربط مخرجات التعليم بمتطلبات التنمية.
وفي إطار هذه المنظومة المتكاملة، تبرز مبادرة جمعية البنوك ضمن مشروع المسؤولية المجتمعية كنموذج وطني رائد للشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تهدف إلى إنشاء 100 مدرسة جديدة في مختلف محافظات المملكة خلال عامين، استجابة للحاجة المتزايدة لتوفير بيئة تعليمية حديثة وآمنة.
وقد بدأت المرحلة الأولى من المشروع العام الماضي، وتم خلالها إنجاز 19 مدرسة موزعة على مناطق مختلفة، بما يحقق عدالة في توزيع الخدمات التعليمية ويسهم في التخفيف من الاكتظاظ داخل الغرف الصفية. وتتميّز هذه المدارس بمرافق تعليمية متكاملة، تتسع لنحو 500 طالب وطالبة، وفق أحدث المعايير في البناء والتجهيز.
وتجسيداً للتعاون المؤسسي الفاعل، تسلّمت وزارة التربية والتعليم 6 مدارس جديدة ضمن هذه المرحلة، فيما يجري العمل على استكمال 11 مدرسة إضافية سيتم تسليمها قبل بدء العام الدراسي المقبل. كما تتواصل الجهود لإعداد الدراسات والتصاميم لمدرستين جديدتين، على أن يتم تسليمهما مطلع شهر آذار القادم، ما يعكس التزاماً واضحاً بتنفيذ المشروع وفق الجداول الزمنية المحددة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الإنشائي فحسب، بل تمتد لتشمل آثاراً اجتماعية وتنموية عميقة، إذ تمثّل المدرسة مركزاً لبناء الإنسان وتنمية قدراته، وتسهم في تحسين التحصيل الدراسي وتعزيز بيئة التعلم. كما أن توفير بنية تحتية تعليمية متطورة يعزز من دافعية المعلمين ويهيئ بيئة أكثر استقراراً للعملية التعليمية.
ومن جانب آخر، تؤكد هذه المبادرة الدور المتنامي للقطاع المصرفي كشريك في التنمية، حيث يتجاوز دوره الإطار الاقتصادي ليشمل الإسهام في القضايا المجتمعية، وعلى رأسها التعليم، في تجسيد واضح لمفهوم المسؤولية المجتمعية.
كما يسهم التوسع في بناء المدارس في تقليص الفجوة التنموية بين المحافظات، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، بما يضمن وصول الطلبة إلى تعليم نوعي بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية، وهو ما يدعم تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال الأثر الاقتصادي غير المباشر لهذا المشروع، من خلال توفير فرص عمل خلال مراحل التنفيذ، وتنشيط الاقتصاد المحلي، فضلاً عن أثره بعيد المدى في إعداد كوادر بشرية مؤهلة تسهم في دفع عجلة التنمية الوطنية.
وفي ظل التحديات التي يواجهها قطاع التعليم، تبرز هذه الجهود كدليل على أهمية التخطيط الاستراتيجي والشراكات الفاعلة في بناء نظام تعليمي مرن ومستدام. فالتعليم اليوم لم يعد خياراً، بل ضرورة حتمية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة وتعزيز القدرة التنافسية للدولة.
ختاماً، تمثل مبادرة بناء المدارس ضمن إطار المسؤولية المجتمعية نموذجاً متقدماً للتكامل بين الرؤية القيادية والتنفيذ المؤسسي، إذ تعكس وعياً وطنياً عميقاً بأهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة. ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرة في إحداث نقلة نوعية حقيقية في قطاع التعليم في الأردن، سواء من حيث تحسين البيئة التعليمية، أو تقليل الاكتظاظ، أو تعزيز فرص الوصول إلى تعليم نوعي في مختلف المحافظات، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على مخرجات العملية التعليمية وعلى مستقبل الأجيال القادمة.
كما تستحق هذه الجهود الإشادة والتقدير للقائمين عليها، وفي مقدمتهم مجلس الوزراء الأردني، الذي يواصل دعمه للسياسات والبرامج الوطنية الهادفة إلى تطوير قطاع التعليم، إضافة إلى وزارة التربية والتعليم الأردنية التي تضطلع بدور محوري في الإشراف على تنفيذ هذه المشاريع وضمان تحقيق أهدافها وفق أعلى المعايير.
ولا يمكن إغفال الدور الفاعل لمختلف الشركاء، خاصة القطاع المصرفي، في تجسيد مفهوم المسؤولية المجتمعية بشكل عملي وملموس، بما يعزز من ثقافة التعاون والتكافل بين مؤسسات الدولة. إن استمرار هذه الشراكات وتطويرها يشكّل ضمانة حقيقية لاستدامة الإنجاز، ورافعة أساسية لمواصلة مسيرة التحديث والتطوير في قطاع التعليم، وصولاً إلى بناء جيل قادر على الإبداع والمنافسة والمساهمة الفاعلة في نهضة الوطن.