ليس كل خطاب اقتصادي يُقال يُفهم، وليس كل ما يُفهم يُقبل. لكن الأخطر أن يتحول المصطلح الاقتصادي إلى أداة صادمة للوعي الجمعي، كما يحدث حين يُطلب “التقشف” من شعب لم يعرف في حياته سوى التقشف.
حين يتحدث المسؤول عن التقشف، فإنه—نظريًا—يتحدث عن ضبط الإنفاق، وتقليص العجز، وإدارة الموارد بحكمة. هذا ما تقوله كتب الاقتصاد، وهذا ما تُسوّقه الحكومات في أوقات الأزمات. لكن بين النظرية والواقع فجوة عميقة، وفي هذه الفجوة يسقط المواطن، لا الأرقام.
أي تقشف هذا الذي يُطلب من مجتمع يقتصد في طعامه، ويؤجل علاجه، ويحسب كلفة يومه قبل أن يعيشه؟ أي دعوة هذه التي تأتي في وقت لم يعد فيه لدى الناس ما يُمكن تقليصه أصلًا؟ إن التقشف هنا لا يعود سياسة مالية، بل يتحول إلى خطاب منفصل عن الواقع، وربما مستفز.
المفارقة المؤلمة ليست في الدعوة ذاتها، بل في سياقها. فبينما يُطلب من المواطن شد الحزام، تُعرض أمامه يوميًا مشاهد لا علاقة لها بالتقشف: امتيازات، مظاهر بذخ، نفقات لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان اقتصادي أو أخلاقي. وهنا لا يشعر المواطن بأنه جزء من خطة إنقاذ، بل ضحية لها.
التقشف، إن كان جادًا، لا يبدأ من جيب الفقير. يبدأ من الحكومات ومن يعيش في كنفها ومن يدور في فلكها حتى ادنى مستوى ، من اصحاب القرار، من النموذج الذي تقدمه الدولة لنفسها قبل أن تطلبه من شعبها. أما أن يُطلب من الناس التضحية دون أن يروا أثرًا حقيقيًا لهذه التضحية في سلوكهم وأسلوب معيشتهم ، فذلك لا يُنتج إصلاحًا، بل يُنتج احتقانًا.
إن أخطر ما في هذه الدعوات ليس أثرها الاقتصادي، بل أثرها المعنوي. حين تتآكل الثقة بين المواطن وصانع القرار، تصبح كل سياسة— حتى لو كانت صحيحة—محل شك ورفض. لأن الناس لا تقيس الأمور بالأرقام فقط، بل بالعدالة. والعدالة هنا غائبة أو على الأقل غير مرئية.
قد يقول قائل إن الأوضاع صعبة، وإن الخيارات محدودة، وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن الصعوبة لا تبرر غياب التوازن، ولا تبرر تحميل العبء للطرف الأضعف دائمًا. الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على الضغط، بل على المشاركة. ولا يُفرض من الأعلى، بل يُقنع من خلال المثال.
إن ما يحتاجه الناس اليوم ليس دعوة جديدة للتقشف، بل رؤية مختلفة للإنفاق. ليس مزيدًا من الصبر، بل دليلًا على أن هذا الصبر له معنى. ليس خطابًا اقتصاديًا مجردًا، بل عدالة محسوسة تُرى في القرارات قبل الكلمات.
التقشف ليس شعارًا، بل اختبار. اختبار لصدق الحكومات قبل صبر الشعوب. فإن نجحت فيه من الأعلى، صبر الناس من الأسفل. وإن فشلت، فلن يكون التقشف حلًا… بل عنوانًا جديدًا لأزمة أعمق.
أخيرًا، لم يعد الشعب يعيش في عزلة، بل في قرية واحدة مفتوحة، يرى ويسمع ويعرف. لم تعد الوقائع تُخفى، ولا الأدوار تُجمَّل، فكل من نهب أو استغل أو راكم ثروته على حساب الناس بات مكشوفًا في الوعي العام قبل أي منصة. ولهذا، فإن أي خطاب لا يبدأ بالمحاسبة ولا يمر عبر العدالة لن يجد طريقه إلى القبول. يمكن تكرار الكلمات، وتزيين العبارات، والمزايدة في الوطنية، لكن الثقة—إذا تآكلت—لا تُستعاد بالخطاب، بل بالفعل. ومن فقد مصداقيته، لن يُقنع، ولن يُصغى إليه، مهما ارتفعت نبرته أو طال حديثه.