facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النموذج الأردني في التعليم: من التأسيس إلى التمكين


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
05-05-2026 12:26 PM

يُعدّ الأردن نموذجًا لافتًا في المنطقة في تطوير منظومة تعليمية متكاملة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتسعى إلى مواءمة مخرجاتها مع متطلبات التنمية الوطنية والإقليمية، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والتحولات المتسارعة في سوق العمل. فقد نجح الأردن، رغم محدودية موارده الطبيعية، في الاستثمار بفعالية في رأس المال البشري، ليصبح التعليم أحد أعمدة قوته الناعمة ومجالات تميّزه الاستراتيجي.

على مستوى التعليم العام، شهدت وزارة التربية والتعليم إصلاحات متواصلة ركّزت على تحديث المناهج، وإدماج المهارات الحياتية والرقمية، وتعزيز التفكير النقدي والابتكار. كما تم التوسع في برامج التعليم الدامج، وتطوير البنية التحتية الرقمية، خاصة بعد جائحة كورونا، بما أسهم في ترسيخ نماذج التعليم المدمج والتعلم عن بُعد.

أما في قطاع التعليم العالي، فقد برزت الجامعات الأردنية كمراكز إشعاع علمي وبحثي، حيث تسعى إلى تعزيز جودة التعليم، وتوسيع الشراكات الدولية، وربط البرامج الأكاديمية باحتياجات السوق. وتُعد الجامعة الألمانية الأردنية نموذجًا رائدًا في التعليم التطبيقي القائم على الشراكة مع الصناعة، إذ تعتمد نظام السنة الألمانية الإلزامية التي يقضيها الطلبة في ألمانيا، ما يعزز من جاهزيتهم المهنية ويكسبهم خبرات عملية عابرة للحدود.

وفي إطار تعزيز التعليم التقني، تم تأسيس جامعة ولي العهد للتقنيات التي تمثل تجربة متقدمة في التعليم التطبيقي المرتبط مباشرة باحتياجات سوق العمل، حيث تُبنى برامجها بالتعاون مع القطاع الصناعي، وتُركز على المهارات التقنية والابتكار وريادة الأعمال. وتسهم هذه الجامعة في سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظائف المستقبلية، خصوصًا في مجالات الهندسة والتكنولوجيا.

كما يشهد الأردن تطورًا في التعليم المهني والتقني من خلال مؤسسات متعددة، تسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا المسار، وتعزيز جاذبيته لدى الشباب، بما يواكب التوجهات العالمية نحو الاقتصاد القائم على المهارات. ويُلاحظ هنا تنامي الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لتطوير برامج تدريبية عملية، وتوفير فرص تشغيل حقيقية للخريجين.

ومن النماذج الفريدة التي يبرزها الأردن، جامعة مؤتة وهذة التجربة الفريدة في الدمج بين التعليم المدني والعسكري ضمن منظومة متكاملة، حيث تسهم المؤسسات العسكرية في تقديم برامج تعليمية وتدريبية ذات طابع انضباطي ومهني، تُعزز من قيم المواطنة والانتماء، وتُكسب الطلبة مهارات قيادية وتنظيمية عالية. ويشكّل هذا التكامل رافعة مهمة لبناء الشخصية المتوازنة القادرة على مواجهة التحديات.

في مجال البحث العلمي وبناء القدرات المؤسسية، لا يقتصر الدور على إنتاج المعرفة النظرية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة ابتكار متكاملة تربط بين الجامعة والصناعة والمجتمع، وتحوّل مخرجات البحث إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة. وفي هذا السياق، تعمل الجامعات الأردنية على إعادة توجيه أولوياتها البحثية نحو القضايا الوطنية ذات الأثر المباشر، مثل الأمن المائي، والطاقة المتجددة، والصحة العامة، والتحول الرقمي، بما يعزز من جدوى البحث العلمي ويجعله أداة فاعلة في صنع القرار.

وتُعد صندوق دعم البحث العلمي والابتكار إحدى الركائز الأساسية في تمويل المشاريع البحثية النوعية، حيث يسهم في توجيه التمويل نحو مشاريع تطبيقية ذات شراكة مع القطاع الصناعي، ويشجع على الأبحاث متعددة التخصصات. كما تلعب المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا دورًا محوريًا في رسم السياسات الوطنية للبحث العلمي، وتحديد الأولويات الاستراتيجية، وضمان تكامل الجهود بين مختلف الجهات الفاعلة.

وعلى مستوى البنية التحتية للابتكار، شهد الأردن توسعًا ملحوظًا في إنشاء حاضنات الأعمال ومسرّعات المشاريع داخل الجامعات وخارجها، حيث توفر هذه الحاضنات بيئة داعمة للشركات الناشئة من خلال الإرشاد، والتمويل الأولي، والوصول إلى الأسواق. كما تسهم مراكز التميز في الجامعات في تطوير حلول تكنولوجية متقدمة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتكنولوجيا الحيوية، ما يعزز من القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

أما في جانب بناء القدرات المؤسسية، فتعمل الجامعات على تطوير مهارات أعضاء الهيئة التدريسية والباحثين، من خلال برامج تدريبية متقدمة، وشراكات دولية، ومشاريع بحثية مشتركة. ويبرز هنا دور برنامج إيراسموس بلس في دعم التبادل الأكاديمي وبناء القدرات، حيث يتيح فرصًا لتطوير المناهج، وتعزيز الحوكمة الجامعية، ونقل الخبرات الأوروبية إلى المؤسسات التعليمية الأردنية.

كما يشهد التعاون الدولي تطورًا نوعيًا، من خلال شراكات مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، ومشاركة الأردن في مشاريع بحثية إقليمية ودولية، ما يسهم في نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، ورفع جودة البحث العلمي. ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب الأكاديمي، بل يمتد ليشمل التعاون مع منظمات دولية تنموية، ما يعزز من دور البحث العلمي في معالجة التحديات المجتمعية.

وفي سياق دعم التنمية المستدامة، يُسهم البحث العلمي في تقديم حلول مبتكرة لمشكلات بيئية واقتصادية، مثل إدارة الموارد الطبيعية، وتحسين كفاءة الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي. كما أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وخبرته في التعامل مع الأزمات، يمتلك قدرة متميزة على الإسهام في جهود إعادة الإعمار في الدول المتأثرة بالنزاعات، من خلال تصدير الخبرات في مجالات التعليم، والتخطيط الحضري، وبناء المؤسسات.

إن هذا التكامل بين البحث العلمي وبناء القدرات المؤسسية يعكس تحولًا نوعيًا في دور الجامعات الأردنية، من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى مراكز إنتاج معرفة وابتكار، قادرة على الإسهام في التنمية الوطنية، وتعزيز الحضور الإقليمي والدولي للأردن كمنصة للعلم والتكنولوجيا.

إن التجربة الأردنية في التعليم، بمختلف مستوياتها ومساراتها، تعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى بناء إنسان قادر، ومؤسسة فاعلة، واقتصاد منتج. وقد تعززت هذه الرؤية من خلال المبادرات الملكية التي أطلقها الملك عبد الله الثاني بن الحسين، والتي ركزت على تطوير التعليم كمدخل أساسي للإصلاح الشامل. فقد أولى جلالته اهتمامًا خاصًا بدمج التكنولوجيا في العملية التعليمية، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وإطلاق مبادرات تهدف إلى إعداد الشباب لوظائف المستقبل، مثل دعم التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، جاءت مبادرات الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، سمو ولي العهد، لتشكل امتدادًا عمليًا لهذه الرؤية، حيث ركز سموه على تمكين الشباب، وتعزيز مهاراتهم في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، من خلال دعم منصات الابتكار، وإطلاق برامج تدريبية متقدمة، والمساهمة في إنشاء بيئات تعليمية حديثة تواكب التطورات العالمية. كما يبرز دور سموه في دعم التعليم التقني، لا سيما من خلال رعاية وتطوير جامعة ولي العهد للتقنيات، التي أصبحت نموذجًا وطنيًا في التعليم التطبيقي المرتبط بالصناعة.

وتتكامل هذه المبادرات مع الجهود الوطنية في تطوير السياسات التعليمية، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الشراكات الدولية، ما يسهم في بناء منظومة تعليمية مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات. كما تعكس هذه الرؤية القيادية إيمانًا عميقًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاستقرار، وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا.

وعليه، فإن الأردن، بفضل قيادته الهاشمية ورؤيته الاستراتيجية، مرشح لمزيد من التقدم، ليبقى نموذجًا يحتذى به في توظيف التعليم كأداة فاعلة للتنمية الشاملة، وبناء مجتمع المعرفة، وتعزيز دوره الإقليمي كمركز للتميز التعليمي والابتكار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :