القمة الثلاثية الأردنية القبرصية اليونانية
السفير ماهر لوكاشه
07-05-2026 02:27 PM
في السياسة، ليست كل القمم تُقرأ من بياناتها الختامية، بل من توقيتها، ومن طبيعة الأطراف المشاركة فيها، ومن الرسائل التي تُراد منها، وتلك التي تُترك عمداً بين السطور. ومن هذا المنطلق، فإن القمة الأردنية القبرصية اليونانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إطار تعاون تقليدي، بل باعتبارها تعبيراً عن إدراك سياسي عميق بأن منطقة شرق المتوسط تدخل مرحلة إعادة تشكل استراتيجية قد تمتد آثارها لعقود قادمة.
الأردن، بحكم موقعه وتاريخه السياسي، اعتاد أن يتحرك بعقل الدولة لا بعاطفة المحاور. ولذلك فإن انفتاحه المتدرج على اليونان وقبرص يعكس قراءة أردنية هادئة للتحولات التي تشهدها المنطقة، خصوصاً مع تصاعد أهمية شرق المتوسط كمسرح للطاقة، والممرات البحرية، والأمن الإقليمي، والتنافس الدولي.
لقد أدركت عمّان مبكراً أن الجغرافيا السياسية لا تعرف الفراغ، وأن الدول التي لا تبادر إلى تثبيت مواقعها داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة قد تجد نفسها لاحقاً خارج دوائر التأثير الحقيقي. من هنا، تبدو هذه القمة جزءاً من سياسة أردنية متوازنة تهدف إلى توسيع شبكة الشراكات الاستراتيجية دون الانزلاق إلى سياسة المحاور الحادة أو الخصومات المجانية.
أما اليونان وقبرص، فهما بدورهما تنظران إلى الأردن باعتباره شريكاً يتمتع بعناصر نادرة في منطقة مضطربة: الاستقرار السياسي، الاعتدال، المصداقية الدولية، والعلاقات المتوازنة مع الغرب والعالم العربي في آن واحد. وفي ظل ما يشهده شرق المتوسط من تنافس متزايد، فإن وجود الأردن داخل هذا الإطار يمنح هذه الشراكة بعداً عربياً وإقليمياً لا يمكن تجاهله.
البعد الأمني في هذه القمة لا يقل أهمية عن البعد السياسي أو الاقتصادي. فالمنطقة تواجه اليوم تهديدات متشابكة، تبدأ من الإرهاب العابر للحدود ولا تنتهي عند الهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح والمخدرات واحتمالات اتساع الصراعات الإقليمية. ومن هنا، فإن بناء مظلة تنسيق أمني واستخباري وسياسي بين الدول الثلاث أصبح حاجة واقعية أكثر منه ترفاً دبلوماسياً.
أما ملف الطاقة، فهو ربما العنوان الأكثر حساسية في هذه العلاقة. فشرق المتوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية بحرية، بل تحول إلى أحد أهم الممرات المرتبطة بأمن الطاقة العالمي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من إعادة رسم لخريطة إمدادات الغاز نحو أوروبا. والأردن، بحكم موقعه وبنيته التحتية وعلاقاته الإقليمية، يسعى بوضوح إلى أن يكون جزءاً من أي معادلة مستقبلية تتعلق بالطاقة والربط الكهربائي والنقل الإقليمي.
وفي تقديري، فإن أحد أهم أبعاد هذه القمم يتمثل في أنها تمنح الأردن نافذة استراتيجية أوسع داخل الفضاء الأوروبي، عبر دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي، دون أن يفقد في الوقت ذاته عمقه العربي أو استقلالية قراره السياسي. وهذه معادلة دقيقة نجحت الدبلوماسية الأردنية تاريخياً في إدارتها بكفاءة عالية.
ومع ذلك، فمن الخطأ تصوير هذه القمم وكأنها تحالف موجّه ضد طرف إقليمي بعينه. فالأردن يدرك حساسية التوازنات في المنطقة، ويحرص دائماً على أن تبقى علاقاته الإقليمية قائمة على المصالح المشتركة واحترام السيادة وعدم الانخراط في سياسات الاستعداء المفتوح.
في المحصلة، تبدو القمة الأردنية اليونانية القبرصية أقرب إلى استثمار سياسي بعيد المدى في مستقبل شرق المتوسط، ومحاولة ذكية لتموضع الأردن داخل منظومة إقليمية جديدة تتشكل بهدوء، ولكن بثبات. وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، قد تكون القدرة على قراءة التحولات قبل اكتمالها هي الفارق الحقيقي بين الدول التي تصنع التوازنات، وتلك التي تكتفي بالتكيف معها