عارف البطاينة في ذكرى وفاته
أحمد الحوراني
09-05-2026 02:53 PM
تصادف اليوم التاسع من أيار الذكرى السنوية الثالثة لوفاة الدكتور عارف البطاينة أحد أبرز وأقدم الأطباء الذين خدموا الوطن وساهموا في نهضة المسيرة الطبية في المملكة عبر نافذتي الخدمات الطبية الملكية، ووزارة الصحة، وإذ تأتي الذكرى التي تستوقفنا فيها محطات متنوعة في حياة الفقيد في وقت تتحدث فيه الدولة والجهات المسؤولة عن سردية الأردن فإن الإمعان في سير الرجال الكبار ممن كانت لهم بصماتهم في مراكمة وتعظيم منجزات الأردن بهمة القيادة وبعزيمة الرجال الأشداء، يصبح ضرورة لا غنى عنها إذا ما اعتبرنا أن تاريخ هؤلاء هو في نهاية المطاف جزءا من تاريخ الدولة مما يعني حق الأجيال المتعاقبة بالوقوف على ما استطاعت المملكة تحقيقه رغم شُح الامكانات وندرة الموارد.
التقيت المرحوم عارف باشا البطاينه في منزله مرات عديدة، وكان في كل مرة يحدثني عن تاريخه وعن الأردن وكيف استطاع بحكمة قيادته الهاشمية وإخلاص شعبه الأبي تجاوز التحديات الضاغطة عليه في مراحل متعددة من تاريخه المجيد، وكان رحمه الله معجبا بصمود الأردن وكيف حقق مكاسب غنية في الطب والتعليم والثقافة والقضاء حتى صار يضاهي الدول المتقدمة.
الدكتور عارف البطاينة كان واحدًا من أبرز الأطباء المتخصصين في أمراض النسائية والتوليد في المملكة الأردنية الهاشمية خاصة والوطن العربي عامة، وهو الطبيب الذي لم يتوقف عطاؤه وفاء لرسالته الإنسانية والمهنية النبيلة من جانب، ثم من أجل هذا الوطن الذي احبّ حيث كان علماً من أعلام البذل والعطاء عبر سنوات عديدة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، كونت في مجملها مسيرة زاخرة وثرية ولافتة في إطار عمل متواصل لم يتوقف للحظة ما أكان ذلك في صفوف الخدمات الطبية الملكية أو عندما انتقل للحياة المدنية وتسلم حقيبة وزارة الصحة ولأربع مرات وفي أربع حكومات، ابتدأت بحكومة المرحوم سمو الأمير زيد بن شاكر سنة 1991 إلى حكومة دولة عبدالكريم الكباريتي حتى الاستقالة في آذار سنة 1997، دون القفز عن عضويته في مجلسي النواب 1993-1997 والأعيان 2001-2007 حيث كانت له آرائه ومداخلاته ومشاركاته التي تميزت بقوة الطرح والجرأة في وضع النقاط على الحروف في مكانها الصحيح في الموضوعات المدرجة آنذاك على طاولة البحث.
رحل «أبو علاء» وفي موته استذكار للحقيقة الماثلة التي تنطوي على مسألة صعوبة تقبّل فكرة غياب أمثاله بعدما شغل مساحات واسعة في حياته العملية التي امتدت لنحو أربعين عامًا ظلّ فيها الجندي وطبيب الخدمات الطبية الملكية والوزير والنائب ورجل العشيرة الذي يعمل بلا ضجر أو كلل أو تذمر ليبقى بنيان الوطن عالي الشأن ضمن أقصى طاقات وامكانات متاحة ورغم شُح الامكانات وندرة الموارد وبذلك يمكننا وصف حياته بأنها كانت حياة عريضة لا تقاس بتعداد سنواتها بقدر ما يمكن هي تُحسب بحجم تفانيه وإخلاصه وآرائه ومقترحاته وأفكاره البنّاءة التي استقاها من وحي خبراته التي تراكمت لديه وتجاربه المتعددة واطلاعه على آخر مستجدات العلوم الطبية في كبريات معاهد وكليات ومراكز الطب في العالم، والتي ترجمها إبان عمله مديرًا للخدمات الطبية ومن ثم وزيرًا للصحة.
خلال عمله وزيرًا للصحة شهد القطاع الصحي تقدمًا نوعيًا ملحوظًا إذ تم إنشاء العديد من المراكز الطبية والمستشفيات العامة فانتهى من بناء مستشفى الكرك الجديد، ومستشفى الأمير علي بن الحسين، ومستشفى الأمير زيد بن الحسين في الطفيلة، كما تم البدء بإنشاء مستشفى الملكة رانيا في دير أبي سعيد، ومستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي في محافظة اربد، ومستشفى اليرموك في لواء بني كنانة، بالإضافة الى توسعة مستشفى الأميرة راية في عجلون فضلًا عن إنشاء سجل السرطان الوطني وفق أحدث المستجدات التي اقتضاها المشروع، وتم ذلك بمساعدة مراكز الاختصاص في السرطان في الولايات المتحدة، إضافة إلى تنفيذ مشروع التأمين الصحي لجميع طلبة مدارس المملكة ممن هم دون سن السادسة، وكذلك إنشاء وحدات خاصة في وزارة الصحة والخدمات الطبية لمعالجة مرضى التلاسيميا.
ترك معالي الدكتور عارف البطاينه بصمات واضحة واجتمعت لديه العديد من المقومات التي جعلت منه شخصية وطنية فذة ساهم بخبرته في تطوير مدينة الحسين الطبية والخدمات الطبية وكان قادراً على تدبير أمور وزارة الصحة، وقد كُرّم من قبل جلالة الملك عبد الله الثاني باعتباره مديراً سابقاً للخدمات الطبية وذلك تقديراً لمواقفة المشرفة التي تسجل له في تطوير العديد من مؤسسات الدولة الأردنية.