facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السياسات المالية والنقدية والتسعة مليارات


د. جعفر النسور
10-05-2026 09:58 AM

ترتكز إدارة الاقتصاد في الدول على محورين أساسيين هما السياسة المالية والسياسة النقدية، إذ تمثلان الأداتين الأكثر تأثيرًا في توجيه النشاط الاقتصادي وتحقيق التوازن والاستقرار. فالأولى تتعلق بقرارات الحكومة بشأن الإنفاق العام والضرائب، بينما تتولى الثانية، عبر البنك المركزي، التحكم بأسعار الفائدة، وتنظيم مستويات السيولة في السوق، وشراء السندات الحكومية أو بيعها. وعند تفعيل هذين المسارين بصورة متناغمة، يتعزز الأداء الاقتصادي وتزداد القدرة على احتواء التضخم.

أثارت تصريحات رئيس الوزراء بشأن ضخ قرابة تسعة مليارات دولار في الاقتصاد اهتمامًا ملحوظًا في الأوساط الاقتصادية، ليس بسبب حجم المبلغ فحسب، بل لكونه رقمًا كبيرًا قياسًا بحجم الاقتصاد الأردني، وما قد يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على الدورة الاقتصادية واتجاهات الأسواق.

وتُطرح في هذا السياق مسألة إدارة هذا الحجم من التمويل، والأدوات المالية والنقدية القادرة على ضمان توظيفه بكفاءة خلال المرحلة المقبلة. وتزداد أهمية هذا التساؤل مع توجيه جزء معتبر من هذه المخصصات نحو مشاريع استراتيجية كبرى، من أبرزها مشروع الناقل الوطني للمياه ومشروع سكة حديد العقبة. فرغم أن هذه المشاريع تُدرج ضمن الإنفاق الرأسمالي التقليدي في الموازنة العامة، إلا أن آثارها تمتد إلى ما هو أبعد من التنفيذ المباشر، عبر تنشيط قطاعات إنتاجية وخدمية متعددة، وخلق فرص جديدة للتشغيل وتحريك النشاط الاقتصادي.

ومن المرجح أن يُموَّل جزء من هذه الحزمة ضمن مخصصات الموازنة العامة للعام المقبل، فيما سيعتمد الجزء الآخر على مشاركة القطاع الخاص من خلال أدوات تمويل متعددة، وفي مقدمتها الاقتراض. وهذا يستوجب حرص الحكومة، ومعها البنك المركزي، كلٌّ حسب اختصاصه، على تحقيق التوازن بين توسيع الإنفاق من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي من جهة أخرى.

وعند مقارنة مبلغ التسعة مليارات دولار بالموازنة العامة لهذا العام، نجد أن النفقات الرأسمالية بلغت قرابة 2.07 مليار دولار، ما يعني أن المبلغ المزمع ضخه في الاقتصاد يتجاوز النفقات الرأسمالية بأكثر من أربعة أضعاف، ويعادل نحو نصف إجمالي النفقات العامة
ويعكس هذا التوجه سياسة مالية توسعية تهدف إلى تحفيز النمو في ظل ظروف إقليمية ضاغطة وتباطؤ اقتصادي نسبي. ومن حيث المبدأ، يُعد هذا التوجه قرارًا صائبًا في سياق الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد ودفع عجلة الاستثمار.

وتبقى مسألة الضرائب ميزانًا لمعادلة التحفيز، فالمستويات الحالية للضرائب لا تزال مرتفعة نسبيًا، دون وجود اتجاه واضح نحو تخفيفها. ومن الناحية الاقتصادية، يكون الأثر التحفيزي للإنفاق الحكومي أكثر فاعلية عندما يترافق مع تخفيض تدريجي للضرائب، بما يرفع القدرة الشرائية ويعزز الاستهلاك والاستثمار. غير أن هذا الخيار قد يصطدم باعتبارات مالية تتعلق باستقرار الإيرادات العامة وقدرة الخزينة على تحمل أي تراجع محتمل في الإيرادات.

أما السياسة النقدية، فهي تمثل جسر العبور الآمن لهذه التوجهات. فإذا اتجه البنك المركزي إلى تخفيض أسعار الفائدة وزيادة مستويات السيولة، فإن ذلك من شأنه دعم التوسع المالي للحكومة، وخفض كلفة الاقتراض، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار. إلا أن ارتباط الدينار الأردني الوثيق بالدولار الأميركي يجعل هامش خفض أسعار الفائدة محدودًا إلى حدٍّ ما، بحكم ضرورة المحافظة على استقرار سعر الصرف وجاذبية الدينار.

ولتمويل حصة الحكومة في هذه المشاريع ضمن الموازنة، يُتوقع الاعتماد بشكل كبير على الاقتراض المحلي عبر إصدار السندات وأذونات الخزينة التي تستحوذ عليها البنوك والمؤسسات المالية. وفي المقابل، تبدو قدرة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي على لعب دور إضافي محدودة، في ظل ارتفاع حجم استثماراته في السندات الحكومية إلى مستويات متقدمة، حتى وصل إلى مرحلة يمكن وصفها بالتخمة الاستثمارية.

وقد يؤدي هذا الاعتماد المكثف على السوق المحلية إلى سحب جزء من السيولة المتاحة، ما ينعكس على قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل، وبالتالي قد يحدّ جزئيًا من الأثر التوسعي المتوقع لهذه المشاريع.

لذلك، فإن نجاح خطة ضخ هذه المليارات لا يرتبط بحجم الإنفاق وحده، بل بمدى الانسجام بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بحيث تتكامل الأدوات الاقتصادية في تحقيق التوازن بين تحفيز النمو وصون الاستقرار النقدي والمالي. ويبقى الأمل معقودًا على أن يسهم هذا الإنفاق الكبير في إحداث نمو اقتصادي ملموس، ينعكس على شكل فرص عمل جديدة، ونشاط اقتصادي أكثر حيوية وقوة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :