facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإدارة المحلية بين هيبة الدولة وحكمة المشاركة


د. بركات النمر العبادي
14-05-2026 08:43 AM

* قراءة من منظور الفكر المحافظ الأردني في جدوى التعديلات وكلفتها الوطنية

في الفكر المحافظ لا تُقاس قوة الدولة بكثرة القوانين التي تُسنّ ، ولا بسرعة التعديلات التي تُجرى ، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين هيبة المؤسسات واستقرار المجتمع ، وبين مقتضيات التطوير والحفاظ على البنية الوطنية المتماسكة ، ومن هنا فإن مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد لا يمكن النظر إليه بوصفه تعديلاً إدارياً عابرا ً، بل باعتباره اختباراً عميقاً لفلسفة الدولة الأردنية في إدارة علاقتها بالمجتمع والأطراف والمحافظات ، وفي فهمها لمعنى التحديث السياسي ذاته.

فالدولة المحافظة لا تعادي الإصلاح، لكنها تؤمن أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون متدرجاً ومتوازناً ومتسقاً مع طبيعة المجتمع وتاريخه السياسي والاجتماعي ، لأن أي تحديثٍ منفصل عن هوية المجتمع وقيمه قد يتحول إلى عبء على الاستقرار بدلاً من أن يكون رافعة له.

ومن هذا المنطلق ، فإن الحديث عن الحوكمة والانضباط المالي والرقابة والمساءلة في مشروع القانون يبقى أمراً محموداً من حيث المبدأ ، خاصة بعد سنوات من الترهل الإداري وضعف الكفاءة وتداخل الصلاحيات بين المجالس البلدية ومجالس المحافظات ، فالفكر المحافظ بطبيعته ينحاز إلى الدولة المنظمة القادرة على ضبط المال العام ومنع الفوضى الإدارية ، ويرى أن الإدارة الرشيدة ليست ترفاً بل شرطاً لبقاء الدولة قوية وقادرة على أداء وظائفها.

أما فيما يتعلق بالتوسع في الكوتات والتعيينات ، فإن القضية هنا ليست رفضاً لدور المرأة أو الشباب، فالفكر المحافظ الوطني لا يقف ضد تمكين المجتمع، بل يرى في المرأة الأردنية شريكاً أصيلاً في بناء الدولة ، كما يرى في الشباب طاقة وطنية لا غنى عنها. لكن جوهر التحفظ يكمن في الخشية من تحول الاستثناء المؤقت إلى قاعدة دائمة ، ومن انتقال الحياة السياسية من ميدان التنافس الحر إلى منطق الحصص والمحاصصة.

لقد وُجدت الكوتا تاريخياً لمعالجة اختلالات اجتماعية وتمثيلية في مراحل معينة ، لكنها في الفلسفة السياسية المحافظة ليست بديلاً دائماً عن المجتمع ، ولا أداة لإعادة تشكيل الإرادة الشعبية بصورة فوقية ، فالأصل في الديمقراطية أن يكون صندوق الاقتراع هو الفيصل ، وأن تُبنى الثقة بالمرأة والشباب عبر التعليم والتأهيل والثقافة السياسية ، لا فقط عبر التوسع المستمر في المقاعد المخصصة أو التعيينات الإدارية.

وفي المقابل ، فإن القراءة المتوازنة تقتضي الاعتراف بأن المجتمع الأردني ما يزال يحمل تفاوتات اجتماعية وتنموية بين المحافظات والمراكز، وأن بعض أدوات التمثيل المرحلي قد تكون ضرورية لضمان مشاركة أوسع وعدم احتكار المشهد المحلي من القوى التقليدية أو أصحاب النفوذ المالي ، و لكن المحافظة السياسية الحكيمة تميز دائماً بين التدخل المؤقت لضبط التوازن ، وبين تكريس الاعتماد الدائم على الحماية السياسية.

أما فكرة تعيين أعضاء في مجالس المحافظات أو إعادة تشكيلها بطريقة تُضعف بعدها الانتخابي، فهي تثير تساؤلات جوهرية حول فلسفة اللامركزية نفسها. فاللامركزية ليست مجرد توزيع خدمات أو مشاريع، بل هي تعبير عن ثقة الدولة بمواطنيها، وعن إيمانها بأن التنمية لا تُفرض من الأعلى فقط، وإنما تُبنى أيضاً من القاعدة الاجتماعية المحلية.

ومن زاوية اقتصادية، فإن أي إصلاح إداري لا يُقاس بحجمه التشريعي بل بعائده الواقعي على حياة الناس. فالمواطن الأردني اليوم يواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، وتحديات اقتصادية تثقل الطبقة الوسطى وتستنزف القدرة الشرائية، ولذلك يصبح من حقه أن يتساءل:
هل ستنتج هذه التعديلات إدارة أكثر كفاءة وأقل كلفة ؟ وهل ستنعكس فعلاً على تحسين الخدمات والتنمية وفرص العمل؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج لهياكل إدارية جديدة بأسماء مختلفة وكلف إضافية ؟

إن الفكر المحافظ الأردني الحديث ينظر إلى الدولة بوصفها حارساً للاستقرار والعدالة معاً ، ويرى أن قوة الدولة لا تتحقق بتوسيع البيروقراطية ، وإنما ببناء مؤسسات مستقرة تحظى بثقة الناس وتحترم عقولهم وإرادتهم.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام مشروع قانون الإدارة المحلية لا يكمن فقط في تفاصيل مواده القانونية ، بل في قدرته على الإجابة عن سؤال أعمق:

هل نحن أمام تحديث سياسي يعزز الشراكة الوطنية ويعمّق الثقة بين الدولة والمجتمع؟

أم أمام إعادة تنظيم إداري قد يحقق انضباطاً مؤقتاً لكنه يوسع الفجوة النفسية والسياسية بين المواطن ومؤسساته المنتخبة؟

إن الأردن ، بحكم موقعه الجيوسياسي وتعقيدات الإقليم من حوله ، يحتاج اليوم إلى إصلاح متزن لا يهدم الثقة باسم التطوير، ولا يجمّد التطوير باسم الاستقرار ، فالحكمة المحافظة لا ترفض التغيير، لكنها تؤمن أن الإصلاح الناجح هو الذي يحفظ هيبة الدولة دون أن يُضعف روح المشاركة، ويعزز سلطة القانون دون أن يُفرغ الديمقراطية من مضمونها.

وفي النهاية ، تبقى الإدارة المحلية مرآة حقيقية لطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها ، فإذا نجح القانون في إنتاج إدارة كفؤة ، وتمثيل عادل ، ومشاركة حقيقية ، وتنمية ملموسة ، فإنه سيكون خطوة في طريق الدولة الحديثة المتماسكة ، اما إذا تحوّل إلى مجرد إعادة توزيع للصلاحيات والأدوار دون بناء ثقة سياسية واجتماعية حقيقية ، فإن كلفته الوطنية قد تكون أكبر من جدواه الإدارية.
حمى الله الاردن من كل غائلة ونصره على اعدائه

* حزب المحافظين الاردني - مساعد امين عام الحزب للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :