معرفتي بفقيد الوطن وابن السلط الشمّاء، مازن الساكت، مرت عبر طريقين، أولهما كان من خلال متابعاتي له وقراءاتي لبعض ما كتب عنه في تناول سريع للمحطات التي تنقل فيها بين موقع وآخر والتي امتدت لنحو نصف قرن من الزمن وزيادة، كان فيها موظفا في بنك البتراء قبل أن ينتقل الى ديوان الخدمة المدنية، ثم وزيرا للداخلية، وما تخلل ذلك، حيث أُنتخب في فترة من حياته رئيسا للهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة الاردن، كما كان رئيسا لتحرير مجلة قضايا عربية والتي كانت تصدر عن جامعة الدول العربية، وفي العام 1991 غادر تونس وعاد وأقام في عمان ليبدأ حياته من جديد ، تاركا خلف ظهره حصيلة اكثر من ربع قرن من التراث السياسي والحزبي العريق.
وأما الطريق الثاني الذي جمعني بالرجل، فكان من خلال مجموعة من الاتصالات الهاتفية التي كنا نجريها معا، كان يدلي فيها بشهاداته عن علاقات جمعته مع نخبة من رجالات الدولة ممن ورددت سيرتهم في الأجزاء المتتالية لسلسة كتابنا "أعلام في ذاكرة الوطن"، وفي كل مرة كنت أُعجب بأبي شاهر ومقدرته الفائقة على استذكار الاحداث التي مرت عليه أو على المملكة خصوصا والمنطقة العربية عموما، ولمست فيه بُعد نظر ثاقب ورؤية فاحصة أكدت حجم الوزن السياسي والفكري والاجتماعي الذي حاز عليه رحمه الله بين العامة والخاصة سواء بسواء.
غياب الكبار محنة في كل الظروف ولكنه في الزمن العصيب يتعدى الحزن الخاص والألم الشخصي الى صميم المصير، فالشعوب تحتاج دائما وأبدا إلى من كانوا مثل الراحل الكبير مازن الساكت، برجاحة العقل ورحابة الصدر، وإنها في المنعطفات الحاسمة تفتقدهم وتتطلع إلى سيرتهم وذكراهم لتستلهم منها الدروس الكفيلة بمساعدتها على استشراف ما وراء المنعطف، ونقول ذلك بقدر ما كانت حياة أبا شاهر كتابا انطوت دفتاه على تجربة إنسانية غنية كان لغلبة العام على الخاص فيها المساحات الأوسع، وكانت صفحات هذه المساحات وستبقى مشرعة أمام من ينشد التواصل بين ماضي هذه الأمة وحاضرها ومستقبلها.
مات مازن الساكت، والمملكة فقدت مؤخرا ثلة من رجالاتها الكبار، زيد الرفاعي، مضر بدران، أحمد عبيدات، علي أبو الراغب، عبدالرزاق طبيشات، مروان الحمود، صالح ارشيدات، وغيرهم، وكل من هؤلاء صاحب قصة ومدرسة وسيرة حري بنا إعادة كتابتها على نحو يوثق لتاريخ وطن عربي هاشمي أردني والدولة تتحدث عن سرديتها في مائة عام مضت من عمرها.
رحم الله مازن الساكت وأحر العزاء لآل الساكت ولعشائر السلط الكرام، أهل النخوة والمروءة والشهامة، والإباء الوطني الذي لا ينضب عطاءه.