facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي فوق أنظمة متهالكة… ذكاءٌ أم عبءٌ جديد؟


د. رائد عودة
15-05-2026 11:22 AM

لسنوات طويلة، حملت فرق تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات عبئاً ثقيلاً لا يراه كثيرون. لم يكن هذا العبء ظاهراً دائماً في الواجهات أو التطبيقات التي يستخدمها الموظفون والعملاء، بل كان مختبئاً في العمق، حيث الأنظمة القديمة، والبنى التحتية المرهقة، والتكاملات المعقدة، والحلول المؤقتة التي تحولت مع مرور الوقت إلى واقع دائم يصعب تغييره.

في ذلك العمق، كان ما يُعرف بالدَّيْن التقني يتراكم بصمت. أنظمة قديمة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها خشية أن تتوقف، وأكواد غامضة لا يعرف أسرارها إلا شخص واحد ربما غادر المؤسسة منذ سنوات، وحلول وُضعت في الأصل لمعالجة مشكلة عاجلة ثم أصبحت جزءاً أساسياً من العمل اليومي، رغم هشاشتها وتشوهها. ومع كل محاولة تحديث أو تطوير، كانت المؤسسة تكتشف أن ما بدا مؤجلاً في الماضي أصبح تكلفة يومية تدفعها اليوم بفوائد متزايدة.

لم يكن الدَّيْن التقني مجرد مشكلة تخص فرق التكنولوجيا وحدها. فقد انعكس على سرعة الاستجابة، ورفع كلفة التغيير، وزاد تعقيد العمليات، وأضعف قدرة المؤسسات على الابتكار. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الدَّيْن عائقاً حقيقياً أمام أي تحول رقمي جاد، حتى وإن لم يظهر دائماً في التقارير المالية أو الاجتماعات التنفيذية.

ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، حاملاً وعوداً كبيرة بتسريع العمل، وتحسين القرار، ورفع الكفاءة، وفتح آفاق جديدة للأتمتة والخدمات الذكية. غير أن دخوله لم يُلغِ المشكلات القديمة، بل كشفها بصورة أوضح. فما كان عائقاً أمام التحديث، أصبح اليوم عائقاً أمام الذكاء الاصطناعي نفسه.

فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بكفاءة فوق الفوضى. فهو لا يستطيع أن يعوّض ضعف جودة البيانات، ولا أن يخفي هشاشة الأنظمة، ولا أن يتجاوز غياب الحوكمة، ولا أن يحوّل العمليات غير المفهومة إلى قرارات ذكية بمجرد إدخال نموذج أو أداة جديدة. يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات نظيفة، وأنظمة مترابطة، وصلاحيات واضحة، وعمليات مفهومة، ومساءلة حقيقية. وعندما يوضع فوق أساس هش، فإنه لا يصلح ذلك الأساس، بل يكشف الشقوق، وقد يضخّم أثرها.

من هنا بدأ يظهر نوع جديد من الديون داخل المؤسسات، يمكن تسميته بدَيْن الذكاء الاصطناعي. وهو لا يتكوّن فقط من نماذج غير مكتملة أو أدوات غير ناضجة، بل من طريقة التبني نفسها. فبعض النماذج تبدو واعدة في مراحل التجربة، لكنها تتعثر عند الاستخدام الفعلي بسبب بيانات متحيزة أو غير مكتملة، أو بسبب مخرجات غير دقيقة تضعف الثقة تدريجياً، أو بسبب أوامر وتعليمات غير مدارة ترفع التكلفة دون عائد واضح. وفي حالات كثيرة، تنتشر أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة من دون رقابة كافية، أو ملكية واضحة، أو إطار حوكمة قادر على ضبط استخدامها ومراقبة أثرها.

في البداية، تبدو النتائج مبهرة. مساعدين افتراضيين، وروبوتات محادثة، ووكلاء ذكيين، وتجارب سريعة تثبت أن الإمكانات كبيرة. لكن عند محاولة التوسع، تبدأ الفاتورة الحقيقية بالظهور. تظهر تكاليف يصعب تفسيرها أو التنبؤ بها، وتبرز أسئلة متأخرة حول الخصوصية والامتثال والمسؤولية، وتجد فرق تكنولوجيا المعلومات نفسها مسؤولة عن أنظمة ذكية لم تصممها بالكامل، ولم تُمنح الموارد الكافية لإدارتها. وفي الوقت نفسه، قد تُبنى قرارات تنفيذية على مخرجات لا يعرف أحد بدقة كيف تم الوصول إليها.

والمشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في التعامل معه كطبقة "سحرية" يمكن إضافتها فوق أنظمة وبيانات وعمليات لم تُعالج مشكلاتها الأساسية بعد.
فالتقنية، مهما بلغت قوتها، لا تُلغي الحاجة إلى الانضباط المؤسسي. والذكاء الاصطناعي، مهما بدا متقدماً، لا يستطيع أن يحل محل الأساس المتين الذي تقوم عليه البيانات والحوكمة والبنية التقنية والقدرة التشغيلية.

والتكلفة الحقيقية لدَيْن الذكاء الاصطناعي لا تظهر فقط في ميزانية الصيانة أو الاشتراكات أو البنية التحتية. إنها تظهر أيضاً في الفرص التي لا تتحقق: قرارات كان يمكن أن تكون أذكى، وتحول رقمي كان يمكن أن يكون أعمق، وأتمتة كان يمكن أن تكون أكثر موثوقية، وتجارب عملاء كان يمكن أن تكون أكثر نضجاً. الخطر هنا أن تنفق المؤسسة كثيراً على الذكاء الاصطناعي، ثم تكتشف لاحقاً أن العائق لم يكن في النموذج، بل في الأرضية التي وُضع عليها.

لذلك، ربما لم يعد السؤال الأهم أمام قادة المؤسسات اليوم هو عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تم اعتمادها، أو عدد التجارب التي أُطلقت، أو سرعة إدخال هذه التقنيات إلى بيئة العمل. بل السؤال الأهم هو ما إذا كانت المؤسسة تبني ذكاءً مستداماً، أم تضيف طبقة جديدة من الديون فوق طبقة قديمة لم تُسدَّد بعد.
فالسرعة في تبني الذكاء الاصطناعي قد تبدو ميزة تنافسية، لكنها إذا قامت فوق أساس هش، فقد تتحول إلى دَيْن جديد بفائدة مركبة. وبين الحماسة المشروعة للتقنية والخطر الصامت لتراكم الديون، تحتاج المؤسسات إلى وقفة أكثر نضجاً: مراجعة جودة بياناتها، وتحديث أنظمتها، وتوضيح مسؤولياتها، وبناء حوكمة قادرة على مرافقة الذكاء الاصطناعي لا اللحاق به بعد فوات الأوان.

قد يكون الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لإعادة تشكيل العمل والقرار والخدمات، لكنه لن يكون كذلك لمن يتعامل معه كاختصار سهل فوق مشكلات مؤجلة. فالمؤسسات التي ستنجح في المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة تلك التي تبنّت أكبر عدد من الأدوات، بل تلك التي امتلكت الشجاعة لمعالجة أساساتها أولاً، قبل أن تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبني فوقها المستقبل.

* مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :