في الآونة الأخيرة أصبحنا نشاهد بشكل متكرر لقاءات إعلامية ومنصات رقمية تستضيف نوابًا حاليين أو سابقين، يتحدث بعضهم عن “الفساد” في الأردن بأسلوب يتجاوز أحيانًا النقد الموضوعي إلى إطلاق الاتهامات والانطباعات العامة دون تقديم أدلة موثقة أو معلومات دقيقة يمكن البناء عليها قانونيًا ومؤسساتيًا.
لا أحد يختلف على أهمية مكافحة الفساد، ولا على حق المواطن في معرفة الحقيقة، كما أن الدولة الأردنية نفسها تمتلك منظومة رقابية وقضائية وأمنية متعددة لمتابعة أي تجاوز أو شبهة فساد، بدءًا من البرلمان وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وصولًا إلى القضاء والأجهزة الرقابية المختلفة. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الحديث عن الفساد إلى مادة إعلامية فضفاضة تُستخدم فيها عبارات التعميم والتشكيك دون توثيق، فتختلط الحقائق بالإشاعات، وتضيع الحدود بين النقد المسؤول والتشهير غير المسؤول.
إن التوسع في هذا النوع من الخطاب لا يضر بالأشخاص فقط، بل ينعكس بصورة مباشرة على سمعة الدولة ومناخ الاستثمار والثقة بالمؤسسات. فالمستثمر المحلي أو الأجنبي عندما يسمع بشكل متكرر أن “كل شيء فاسد” وأن “لا قانون يُطبق”، دون وجود أحكام أو وثائق أو ملفات واضحة، فإنه بطبيعة الحال سيعيد التفكير قبل أن يضخ أمواله أو يوسع أعماله في البلد. كما أن المواطن نفسه قد يفقد ثقته تدريجيًا بالمؤسسات والقوانين، ليس بناءً على وقائع مثبتة، بل نتيجة تراكم خطاب انطباعي يفتقر إلى المسؤولية.
وإذا كان أي مسؤول أو نائب أو شخصية عامة يمتلك بالفعل وثائق أو أدلة تدين فاسدين، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي تقديمها عبر القنوات الدستورية والقانونية: تحت قبة البرلمان، أو أمام الجهات القضائية والرقابية المختصة، لا الاكتفاء بإطلاق التصريحات عبر المقابلات والمنصات بهدف الإثارة أو تحقيق الانتشار الإعلامي.
النقد البنّاء ضرورة، وكشف الفساد واجب، لكن الحفاظ على هيبة الدولة وسمعة الاقتصاد والثقة بالمؤسسات واجب أيضًا. وبين هذين الأمرين، تبقى المسؤولية في الكلمة، خصوصًا عندما تصدر عن شخصيات عامة يُفترض أن تدرك أثر ما تقول على صورة الوطن واستقراره ومستقبله الاقتصادي.