من الأكراد إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي .. التحول الأكبر في مفهوم الأمن القومي التركي
محمد نور الدباس
15-07-2026 12:20 AM
كانت العقيدة الأمنية التركية لعقود طويلة واضحة المعالم؛ فمصادر التهديد كانت محددة ولا تحتمل كثيراً من التأويل لتشمل؛ النزعة الانفصالية الكردية، والخلاف التاريخي مع اليونان في بحر إيجة وشرق البحر المتوسط، وتعقيدات الملف الأرميني وانعكاساته على العلاقة الاستراتيجية مع أذربيجان، وكانت الدولة التركية تنظر إلى أمنها القومي من زاوية حماية الحدود ومنع أي تهديد مباشر لوحدة أراضيها.
لكن الشرق الأوسط لم يعد كما كان، وتركيا نفسها لم تعد الدولة التي تكتفي بالدفاع عن حدودها، فمنذ مطلع العقد الماضي، انتقلت أنقرة من سياسة "حماية الداخل" إلى سياسة "إدارة المجال الحيوي"، وأصبح أمنها القومي مرتبطاً بموازين القوى الممتدة من البحر الأسود والقوقاز إلى شرق المتوسط وسوريا والعراق.
وفي هذا السياق، لم تعد دولة الاحتلال الإسرائيلي بالنسبة لتركيا مجرد دولة تختلف معها سياسياً حول القضية الفلسطينية، بل أصبحت لاعباً إقليمياً مؤثراً في الملفات الأكثر حساسية بالنسبة لأنقرة، فالعمليات العسكرية لدولة الاحتلال الإسرائيلية في سوريا، وإعادة تشكيل موازين القوى هناك، والتأثير في مستقبل الجنوب السوري، كلها تطورات تنظر إليها تركيا باعتبارها ذات انعكاسات مباشرة على أمنها القومي، ولا سيما في ظل ارتباط الملف السوري بالقضية الكردية وبالوجود العسكري التركي شمال سوريا.
إن ما يقلق صانع القرار التركي ليس مجرد التفوق العسكري لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وإنما احتمال أن تؤدي السياسات لدولة الاحتلال الإسرائيلية إلى خلق واقع جيوسياسي جديد يحد من النفوذ التركي، أو يفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية لا تراعي المصالح التركية، ولذلك لم يعد الأمن القومي بالنسبة لأنقرة يعني حماية الحدود فقط، بل حماية مجالها الاستراتيجي ومنع أي قوة إقليمية من فرض وقائع جديدة على تخومها.
وفي المقابل، تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى صعود تركيا بوصفها قوة إقليمية تمتلك جيشاً كبيراً، وقاعدة صناعات دفاعية متقدمة، وحضورًا متزايدًا في سوريا وليبيا والقوقاز وشرق المتوسط، ومن هنا نشأ تنافس يتجاوز الخلافات الدبلوماسية التقليدية ليقترب من صراع على النفوذ وإعادة رسم النظام الإقليمي.
ومع ذلك، فإن القول إن دولة الاحتلال الإسرائيلي أصبحت "العدو الأول" لتركيا يفتقر إلى الدقة، فما زالت أنقرة تعتبر الإرهاب، وعلى رأسه حزب العمال الكردستاني وتنظيماته المرتبطة به، التهديد الأكثر إلحاحاً، كما لا تزال الخلافات مع اليونان وقضايا شرق المتوسط تحتل مكانة متقدمة في حسابات الأمن القومي التركي، غير أن دولة الاحتلال الإسرائيلي أضيفت إلى قائمة التحديات الاستراتيجية، ليس بسبب وجود نزاع حدودي مباشر، وإنما بسبب تأثير سياساتها في البيئة الأمنية التي تتحرك فيها تركيا.
إن التحول الحقيقي الذي شهدته العقيدة الأمنية التركية لا يكمن في استبدال تهديد بآخر، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته، فالدول الصاعدة لا تكتفي بحماية حدودها، بل تسعى إلى حماية مصالحها ونفوذها خارج تلك الحدود أيضاً، ومن هنا أصبح أي تغيير في سوريا أو شرق المتوسط أو القوقاز يدخل تلقائياً في حسابات الأمن القومي التركي، حتى وإن لم يكن على تماس مباشر مع الأراضي التركية.
إننا أمام شرق أوسط جديد، لم تعد فيه المنافسة بين الدول تدور حول الحدود وحدها، بل حول النفوذ، وخطوط الطاقة، والتحالفات العسكرية، والممرات التجارية، والقدرة على صياغة النظام الإقليمي القادم، وفي هذه المعادلة، لم تعد تركيا تنظر إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها مجرد خصم سياسي، ولا تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تركيا باعتبارها دولة جوار بعيدة، بل أصبحت كل منهما ترى الأخرى قوة إقليمية قادرة على التأثير في مصالحها الاستراتيجية.
وهذا هو جوهر التحول؛ فالأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس بالكيلومترات الفاصلة بين الحدود، بل بحجم التأثير في الجغرافيا السياسية المحيطة، وبالقدرة على منع الآخرين من إعادة تشكيلها على نحو يهدد المصالح الوطنية.
محمد نور الدباس