الولايات المتحدة والصين الند بالند
د. محمود الشوابكة
15-05-2026 10:34 PM
بما هي عليه الصين اليوم من قوة، وعلى مسامع ترامب، وجها لوجه، تحدث رئيسها شي جين بينغ ، في اللقاء الذي تم أمس، بصفته زعيما لدولة عظمى، وقال من بين ما قاله، مخاطبا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية:
"... يجب أن نمضي في صياغة الطريق الصحيح لتعايش القوى العظمى في العصر الجديد"
قال شي جين بينغ: القوى العظمى، والاستخدام هنا قد يعني ظاهريا، أن هناك قوى أكثر من اثنتين؛ ثلاثة ربما، أو أربعة أو أكثر، لكن تعبير " القوى العظمى" الوارد في كلامه، يقوم على إطلاق الدلالة -في سياق وضع المبادئ- وتقييد المقصود وهو هنا؛ الولايات المتحدة والصين؛ أي أن الرجل يتحدث عن قوتين: احداهما المتربعة على سدة العالم، والثانية التي صعدت إليها: قوتين متكافئتين؛ ندًّا بندّ.
ليس ذلك وحسب، فإذا كان ثوسيديدس قد نحت المبدأ الذي يحمل اسمه قبل قرابة خمسةٍ وعشرين قرنا؛ حين قال:
"إن ما جعل الحرب حتمية هو صعود قوة أثينا، وما أثاره ذلك من خوفٍ لدى إسبرطة"، فإن شي بينغ قد استدعى تلك الفكرة، ليقول لترامب:
إن الصين باتت قوة عظمى، وإن صعودها نحو سدة العالم، التي كنتم تحتكرونها، يجب ألا يشعركم بما شعرت به أثينا؛ حين أعلنت الحرب على إسبارطة.
لقد أبَّنَ الرئيس الصيني النظام العالمي "الحالي"- الذي صاغته الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945- حين قال:"…بعد ثمانين عاما لم يتغير اتجاه العصر نحو السلام والتنمية"، وحين قال، أيضاً : "لقد وصلت الحوكمة العالمية إلى مفترق طرق".
نعم، لقد وصلت "الحوكمة العالمية" إلى مفترق طرق جديد، وبدأ العالم الدخول في مرحلة الثنائية القطبية، والتوازن النسبي في العلاقات الدولية، ما سيترتب عليه احتكاك حتمي متصاعد بين القوتين العظميين، دعا معه بينغ نظيره الأمريكي إلى تجنبه.
ذلك، وإنَّ أول فصوله قد بدأ بالفعل في الميدان التجاري، وفي إيران التي تعي الصين أن الهدف من وراء تلك الحرب هو أبعد من ذلك الذي أعلنته الولايات المتحدة؛ ويتمثل في إخراج إيران من أن تكون نقطة ارتكاز وانطلاق للمشروع الصيني في المنطقة، وهو ما تفهمه الصين وتعيه تماما، على نحو، يحملنا على القول، هنا، إن من الصعب أن تتخلى الولايات المتحدة عن فكرة تغيير النظام في إيران ولو بعد حين.
ما يجب التوقف عنده ملياً في هذه الزيارة، أن اللغة التي سمعها الرئيس الأميركي من الرئيس الصيني، وما حملته من مضامين؛ هي ليست واضحة وواثقة وعميقة فقط، بل هي فضلا عن ذلك، وهذا هو الأهم، لغة تعكس حقيقة المركز الذي باتت تتبوأه الصين اليوم في المضمار العالمي؛ وهي اللغة التي لم يسبق أن سمعها رئيس أميركي منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، ولن يسمعها من رئيس دولة من دول المعمورة في ظل الخريطة السياسية والاقتصادية الحالية لعالم اليوم.
لقد وجد العالم اليوم، دولة تتحدث أمام الولايات المتحدة بلغة مكافئة؛ لغة ندية مُكتملة، كسرت، بالفعل والقول، عتوَّ تلك الدولة وتعاليها وغطرستها، ولجمت رئيسها وأجبرته على ضبط لسانه، وحركاته، وتلك هي تايوان التي لم يستطع ترامب، بعد أن أكد بينغ أن "استقلالها والسلام لايجتمعان"، أن يبوح للصحافيين عنها ولو بكلمة.
لقد عبرت الصين عن نفسها، وعن رؤيتها للعالم الذي شبهه بينغ بالسفينة التي يتعين على الولايات المتحدة أن تقبل- في ظل تحذيره لها من الوقوع في الفخ الذي وقعت فيه أثينا- أن تقبل أن تُدار دَفَّتَها من قبل كل منهما: الصين كقوة صاعدة والولايات المتحدة كقوة مهيمنة؛ أي أن زمن التفرد في قيادة العالم قد ولى وانتهى، وأن على الولايات المتحدة أن تقبل بالقيادة المزدوجة لسفينة العالم.
هذه الزيارة لن تكون سعيدة أبداً، على الولايات المتحدة؛ لأنها كانت بمثابة اللطمة الموجعة للسلوك المتغطرس، والخطاب الإستعلائي، والنظرة الفوقية، التي اعتادت عليها الولايات المتحدة، وإن الدوائر الأمريكية بكل مفاصلها ستدخل منذ اليوم في مستوى جديد من الدراسة والبحث المعمق، لإعادة صياغة المنهج الذي سيعمل وفقا له عقل المركز الإمبريالي في واشنطن وتشعباته في الغرب الأوروبي، في ضوء الهزة التي تَعَرَّض لها في هذه الزيارة وما حملته من دلالات عميقة.