عندما تتحول الأرض إلى جيوش
سامي شريم
16-05-2026 09:27 AM
خارج الضجيج وخارج نشرات الانتصار السريعة يظل التاريخ يكتب بقلم هادئ ولا يعترف بالصوت العالي ولا بعدد الطائرات ولا بحجم الترسانات وحدها فالحروب لم تكن يوما معادلة حسابية بسيطة ينتصر فيها الاكبر دائما ويسقط فيها الاضعف دائما بل كانت في كثير من الاحيان امتحانا للإرادة قبل ان تكون امتحانا للسلاح
كم من قوة عظمى دخلت المعركة وهي تظن ان الحسم مسألة وقت ثم اكتشفت بعد سنوات انها تغرق ببطء داخل ارض لا تشبه خرائطها ولا تفهم لغتها ولا تنتمي لجبالها ولا لأزقتها ولا لروح الناس فيها
الجغرافيا ليست حجارة صامتة كما يظن البعض الارض حين تؤمن بمن يدافع عنها تتحول الى كائن حي يختبئ خلف كل شجرة ويظهر خلف كل تلة ويقاتل في كل زقاق من يعرف الارض لا يحتاج دائما الى التفوق العددي لان الجبل قد يكون جيشا والوادي قد يكون حصنا والمدينة الضيقة قد تتحول الى متاهة تبتلع الجيوش الثقيلة
لهذا كانت حروب الاستنزاف مرعبة للقوى الكبرى لان القوة الضخمة تحتاج الى وقت ومال وامداد واعلام ومعنويات وكل يوم يمر يتحول فيه التفوق العسكري الى نزيف بطيء يستهلك الاقتصاد ويهز الداخل ويزرع الشك في نفوس الناس اما الطرف الذي يقاتل بعقيدة البقاء فهو لا يحسب المعركة بالساعات بل بالأجيال ولا يقيس الخسارة بالارقام فقط بل بقدرته على الاستمرار
التاريخ مليء بجيوش دخلت وهي تحمل غرور القوة ثم خرجت وهي تحمل سؤالا واحدا كيف هزمنا من كنا نظنهم اضعف منا
السبب ان الحروب لا تحسمها التكنولوجيا وحدها فهناك شيء اخطر من السلاح وهو قدرة الانسان على الاحتمال حين يؤمن ان المعركة معركة وجود لا معركة حدود يصبح الصبر سلاحا وتصبح التضحية جزءا من العقيدة ويصبح الزمن نفسه عدوا للقوة الغازية
القوة التقليدية تستطيع احتلال ارض لكنها لا تستطيع بسهولة احتلال الوعي ولا اقتلاع فكرة متجذرة في الناس ولا كسر انسان قرر ان الهزيمة الحقيقية هي الاستسلام
وحين تطول الحرب يبدأ ميزان القوة بالتغير تدريجيا فالقوة الكبرى التي اعتادت الحسم السريع تجد نفسها امام استنزاف مفتوح بينما الطرف الاقل عدة يبدأ بتحويل ضعفه الى ميزة لأنه لا يحمل عبء الامبراطوريات ولا حسابات الانتخابات ولا ضغط الرأي العام العالمي
لهذا يهمس التاريخ دائما بحقيقة لا يريد المتغطرسون سماعها ان السيطرة على الارض لا تعني السيطرة على اهلها وان الخرائط العسكرية لا تكفي لفهم الشعوب وان الجغرافيا حين تتحالف مع الارادة تتحول الى قدر ثقيل حتى على اعظم الجيوش
وفي النهاية لا يبقى في ذاكرة الشعوب حجم الدبابات ولا عدد الطائرات بل يبقى سؤال واحد من صمد اكثر ومن استطاع ان يحول الارض الى روح تقاتل معه حتى النفس الاخير