facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النكبة بين ضياع البوصلة ووحدة المصير


د. بركات النمر العبادي
16-05-2026 02:18 PM

في كلِّ عام ، تعود ذكرى النكبة لا بوصفها حدثًا عابرًا في سجل التاريخ ، بل كجرحٍ مفتوحٍ في الوعي العربي، وكامتحانٍ دائمٍ لمعنى الأمة والهوية والكرامة. فمنذ عام 1948، لم تكن فلسطين مجرد أرضٍ محتلة، بل أصبحت معيارًا أخلاقيًا تُقاس به مواقف الدول والشعوب، واختبارًا حقيقيًا لصدق الانتماء العربي والإسلامي والإنساني. ولهذا، ظل الفكر المحافظ العربي، وفي مقدمته الفكر الوطني الأردني المحافظ، ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وجودٍ وهويةٍ وتاريخ، لا مجرد ملفٍ سياسي يخضع لحسابات المصالح المؤقتة أو التحولات العابرة.

فالمدرسة المحافظة في الوعي الأردني والعربي ترى أن الأوطان لا تُبنى دون ذاكرة، وأن الأمة التي تتخلى عن مقدساتها وقضاياها المركزية تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية ذاتها ومعناها الحضاري ، ومن هنا، بقيت فلسطين في صميم الضمير المحافظ، باعتبارها قضية الأرض والتاريخ والإنسان، وقضية الدفاع عن المقدسات وعن حق الشعوب في الحرية والكرامة والسيادة.

غير أن المأساة الكبرى لم تكن فقط في استمرار الاحتلال، بل في حالة التشرذم والانقسام التي أصابت الجسد العربي والفلسطيني عبر العقود. فبعد كل هذا التاريخ من التضحيات والدماء والشهداء، يبرز السؤال المؤلم: ماذا تحقق فعليًا على طريق التحرير، في ظل انقسام العرب إلى محاور، وانقسام الفلسطينيين إلى سلطات وخطابات وفصائل متنازعة؟

لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال يستفيد من الانقسامات أكثر مما يستفيد من تفوقه العسكري ، فالأمم حين تفقد وحدتها السياسية والفكرية تتحول قضاياها الكبرى إلى ساحات استنزاف وصراع داخلي، وتصبح المعارك الجانبية أحيانًا أشد فتكًا من العدو نفسه ، ولهذا، فإن النكبة لم تعد مجرد ذكرى لاحتلال الأرض، بل أصبحت أيضًا رمزًا لفشل النظام العربي في بناء مشروع نهضوي موحد حول القضية المركزية للأمة.

ورغم ذلك، بقي الشعب الفلسطيني يقدم نموذجًا استثنائيًا في الصمود والثبات، وتجلى ذلك بأوضح صوره في غزة، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى عنوانٍ للكرامة الإنسانية والمقاومة والصبر التاريخي. فغزة، رغم الحصار والدمار والجوع والاستهداف اليومي، لم تنكسر إرادتها، ولم تتخلَّ عن هويتها الوطنية. لقد واجه أهلها آلة الحرب بصدورٍ عارية وإيمانٍ عميق بحقهم في الحياة والحرية، وسجلوا في الوعي العربي والعالمي صفحةً من صفحات الكبرياء الإنساني النادر.

وفي الفكر المحافظ، لا تُقرأ غزة بوصفها مجرد ساحة حرب، بل بوصفها شاهدًا حيًا على أن الشعوب التي تتمسك بأرضها وهويتها قادرة على البقاء مهما اشتدت المحن ، فالثبات على المبادئ، والصبر على التضحيات، والدفاع عن المقدسات، كلها قيمٌ مركزية في البناء الأخلاقي المحافظ الذي يرى أن التفريط بالهوية أخطر من خسارة المصالح الآنية.

وفي خضم هذا المشهد، برز الأردن بقيادته الهاشمية بوصفه أحد أكثر الأطراف العربية ثباتًا ووضوحًا في الدفاع عن فلسطين ورفض مشاريع التهجير والتوطين والوطن البديل ، فقد حمل جلالة الملك عبدالله الثاني القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية باعتبارها قضية عدالة وحق تاريخي، ودافع عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية باعتبارها جزءًا من هوية الأمة وضميرها الحضاري.

كما وقفت الدولة الأردنية، قيادةً وشعبًا، بكل إمكاناتها إلى جانب أهل غزة، سياسيًا وإنسانيًا وإغاثيًا وطبيًا، في موقفٍ عبّر عن عمق العلاقة التاريخية والوجدانية بين الأردن وفلسطين ، ولم يكن ذلك موقفًا طارئًا أو مرتبطًا بظرف سياسي مؤقت، بل امتدادًا لعقيدة وطنية وقومية راسخة ترى أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن كرامة الأمة كلها.

إن النكبة اليوم ليست فقط ذكرى للبكاء على الماضي، بل دعوةٌ لاستعادة البوصلة. فالقضية الفلسطينية لن تنتصر في ظل الانقسام، ولن يتحقق التحرير ما دامت الأمة غارقة في صراعاتها الداخلية وحساباتها الضيقة ، وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل مشروعًا عربيًا أخلاقيًا وسياسيًا يعيد الاعتبار لفكرة الوحدة والكرامة والسيادة.

ورغم قسوة المشهد، تبقى فلسطين حاضرةً في الوجدان ، وتبقى غزة شاهدًا على أن الشعوب قد تُحاصر لكنها لا تموت ، وأن الأمة التي لا تزال تنجب رجالًا ونساءً قادرين على الصمود والتضحية لم تفقد روحها بعد.

وفي ذكرى النكبة ، يبقى العهد ثابتًا بأن فلسطين ليست قضية جغرافيا فقط ، بل قضية معنى وهوية وتاريخ ، وسيبقى الأردن ، بقيادته الهاشمية وشعبه ، وفيًا لهذا العهد ، مدافعًا عن القدس ، ومؤمنًا بأن الحق لا يسقط مهما طال الزمن ، وأن الأمة التي تحفظ ذاكرتها وتحمي ثوابتها قادرةٌ يومًا ما على استعادة مكانتها وكرامتها.

حمى الله الاردن و فسطين من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني – مساعد امين عام الحزب للثقافة الحزبية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :