الوقف التنموي .. من العمل الخيري التقليدي إلى منصة استثمارية
د. محمد فخري صويلح
16-05-2026 08:20 PM
* لتحقيق التنمية المستدامة
مثّل الوقف في الحضارة الإسلامية ركيزة أصيلة من ركائز العمل الخيري والاجتماعي، ووسيلة فعّالة لتأمين موارد مستدامة تخدم حاجات الدولة والمجتمع عبر الأجيال،، ووفق بعض التقديرات المتحفظة، فإن أصول الوقف في العالم الإسلامي تتجاوز اليوم 1.3 تريليون دولار أمريكي، فيما تزال هذه الأصول في أغلبها غير منتجة، أو ذات عوائد متدنية لا تزيد عن 3% سنوياً.
ومع تطور مفهوم التنمية واتساع دوائر الحاجة، بات من الضروري إعادة النظر في الأدوات الوقفية وإمكاناتها، للخروج بها من الإطار التقليدي القائم على تقديم المساعدات الآنية، إلى أداة تمويل تنموي مستدام – كما يفترض لها أن تكون-، تُسهم في بناء الإنسان وتمكين المجتمعات، وتدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs).
التحول من الخيري إلى التنموي
ظلّ الوقف عبر قرون يُمارس في إطار ممارسة تعبدية تقربنا من الله تعالى، وفي إطار العطاء الخيري الفردي، الذي يركز غالباً على تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الطعام، والكساء، والتعليم الديني والممارسة التعبدية المحضة،،، ومع أن لهذه المبادرات أثراً محموداً، إلا أنها غالباً ما تبقى محدودة النطاق والتأثير الزمني،،، أما في العصر الحديث، ومع تصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد كافياً الاعتماد على نماذج الخير الموسمي أو المساعدات الطارئة،،، فالمطلوب في عالم اليوم هو وقفيات تُدار بعقلية اقتصادية، تُنتج أثراً متراكماً، وتدعم مسارات التنمية الشاملة.
الوقف والتنمية المستدامة،،، الأطر المشتركة
يتقاطع مفهوم الوقف مع العديد من أهداف التنمية المستدامة التي أطلقتها الأمم المتحدة ضمن أجندة 2030، ومنها:
• القضاء على الفقر (الهدف 1): من خلال تمويل مشاريع التمكين الاقتصادي، مثل الحاضنات الريادية وصناديق دعم المشاريع الصغيرة.
• الصحة الجيدة والرفاه (الهدف 3): من خلال تأسيس أوقاف طبية مستدامة لتمويل العيادات والمستشفيات.
• التعليم الجيد (الهدف 4): عبر إنشاء أوقاف تعليمية تمول المنح الدراسية وبرامج التدريب المهني، إضافة إلى البحث العلمي والمبادرات المعرفية النوعية.
• المساواة بين الجنسين (الهدف 5): من خلال مبادرات تمكين المرأة اقتصادياً وتعليمياً.
• العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف 8): بتمويل برامج التشغيل وتطوير المهارات.
وتكمن قوة الوقف في كونه إطاراً وممارسة مالية مستقلة وغير مرتبطة بموازنة الحكومات، ما يمنحه قدرة استثنائية على دعم المبادرات المجتمعية بعيداً عن التقلبات السياسية والاقتصادية.
نماذج عملية لإعادة تفعيل الوقف التنموي
ولإعادة تفعيل أدوات الوقف بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، يمكن اعتماد نماذج مبتكرة، نذكر منها:
1. الصناديق الوقفية التنموية: صناديق يُخصص ريعها لدعم مشاريع تنموية ذات أثر طويل الأمد، كمشاريع الزراعة المجتمعية أو المدن الذكية.
2. الوقف الريادي (Entrepreneurial Waqf): وهو نموذج حديث يدمج بين العمل الريادي والاستثمار الوقفي، حيث يتم توظيف الأموال الوقفية في مشروعات إنتاجية تدر عائداً مستداماً، يُعاد توجيهه إلى الأغراض المجتمعية.
3. الوقف الجماعي (Crowd-Endowment): منصة رقمية تُتيح للأفراد المشاركة بمبالغ صغيرة لتأسيس أوقاف جماعية تخدم أغراضاً تنموية، بما يعزز روح المسؤولية المجتمعية.
4. الوقف المؤقت (Temporary Waqf): نموذج يسمح بوقف الأصول أو الإيرادات لفترة زمنية محددة تخدم هدفاً تنموياً معيناً، ثم تعود الأصول إلى صاحبها، ما يُحفز الأفراد على المشاركة دون تردد.
التحديات والفرص
رغم ما تتيحه الأدوات الوقفية من مرونة وتمويل مستدام، إلا أن تفعيلها يواجه عدة تحديات، منها:
• الإطار التشريعي: في كثير من الدول، ما تزال التشريعات الوقفية تقليدية ولا تواكب تطورات الاستثمار والحوكمة الحديثة.
• ضعف الحوكمة والشفافية: ما يُقلل من ثقة المجتمع والمؤسسات في فعالية الأوقاف،،، ويقتضي بناء الوقف التنموي وجود منظومة حوكمة مؤسسية واضحة تبدأ بمجلس إدارة مستقل ولجان متخصصة للاستثمار والتدقيق وإدارة المخاطر والالتزام الشرعي، بما يضمن سلامة القرار الاستثماري، وحماية أموال الوقف، وتعزيز الثقة العامة.
• نقص الكفاءات المتخصصة: خاصة في مجال إدارة المحافظ الوقفية والربط بين المشاريع التنموية والأهداف الشرعية للوقف.
• كفاءة تخصيص رأس المال الوقفي: إن جوهر التحدي لا يكمن في حجم الأصول الوقفية، بل في كفاءة تخصيص رأس المال الوقفي، فالأصول التي تُدار دون سياسة استثمارية واضحة، أو دون إطار معتمد لتوزيع الأصول وقياس العائد المعدل بالمخاطر، تبقى أصولاً ساكنة لا تحقق القيمة التنموية التي أُنشئت من أجلها.
وفي المقابل، هناك فرص واعدة يمكن البناء عليها:
• تصاعد اهتمام المؤسسات الدولية بالتمويل الإسلامي كأداة للتمكين.
• توسع الاقتصاد الرقمي وما يوفره من أدوات تتبع وحوكمة للأداء الوقفي.
• تنامي الطلب على الحلول التنموية الإسلامية، خاصة في العالم الإسلامي ودول الجنوب العالمي.
نحو نموذج متكامل للوقف التنموي
ولتفعيل الوقف كأداة فاعلة في التنمية، لا بد من اعتماد نموذج متكامل يتضمن:
• تحديث الإطار القانوني للوقف: بحيث يُجيز أنواع الوقف الحديثة، ويمنح الأوقاف الشخصية الاعتبارية لمنحها الحماية القانونية الكافية.
• بناء مؤشرات قياس الأثر الوقفي: لقياس مساهمة الوقف في تحقيق أهداف التنمية، وليس فقط في حجم الإنفاق أو عدد المستفيدين.
• إدماج القطاع الخاص: من خلال شراكات وقفية مبتكرة، كأن تُخصص نسبة من أرباح الشركات للوقف.
• إشراك الشباب والتقنيين: لتقديم حلول رقمية لإدارة الوقف، وتوسيع قاعدته المجتمعية.
إضافة إلى أنه لا ينبغي تقييم الوقف على أساس العائد المالي وحده، بل كذلك وفق العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)، الذي يقيس القيمة الاقتصادية والاجتماعية المتحققة لكل وحدة نقدية يتم استثمارها.
لم يعد الوقف مجرد حالة تعبدية دينية، أو وسيلة للإحسان، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وأداة استثمارية، بل أنه أصبح أحد أكثر الأدوات المؤسسية قدرة على تحويل القيم الإسلامية إلى أثر اقتصادي واجتماعي مستدام،،، ولكي نُفعّل هذه الأداة لابد من مقاربة واقعية، تدمج بين المبادئ الشرعية وأدوات الاقتصاد الحديث، وتفتح المجال لشراكات جديدة بين القطاع الوقفي، والمؤسسات التنموية، والمجتمع المدني، فالثابت اليوم لدى المهتمين بالقطاع الوقفي أن القيمة الحقيقية للوقف لا تُقاس بحجم أصوله، بل بقدرته على تحويل رأس المال الاجتماعي إلى نتائج تنموية قابلة للقياس والاستدامة.
والدول التي تنجح في إعادة هندسة قطاع الوقف لا تستعيد مؤسسة خيرية تاريخية فحسب، بل تؤسس قطاعاً اقتصادياً ثالثاً يكمّل دور الدولة والسوق في تعبئة الموارد الوطنية وتمويل التنمية طويلة الأجل،،، فالتحدي الحقيقي في قطاع الوقف ليس في نقص الأموال، بل في محدودية الرؤية المؤسسية التي تحكم إدارتها،،، فعندما يُدار الوقف بمنهجية قانونية واستثمارية وحوكمية متقدمة، يتحول من أصل جامد إلى رأسمال تنموي دائم، ومن نشاط خيري تقليدي إلى مؤسسة استراتيجية تسهم في بناء الإنسان وتعزيز الاستقرار وتمويل التنمية الوطنية عبر الأجيال.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار