هل نحن أمام تحضيرات لحرب كبرى؟
د. عبدالحفيظ العجلوني
17-05-2026 10:46 AM
* قراءة في مؤشرات الحشد العسكري الأمريكي والإسرائيلي
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت المؤشرات التي توحي بأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة عسكرية مختلفة وأكثر خطورة من الجولات السابقة، ليس فقط بسبب التصريحات السياسية المتبادلة، بل نتيجة حشود لوجستية وجوية غير اعتيادية باتت موثقة عبر تقارير إسرائيلية وأمريكية ومتابعات مفتوحة المصدر.
فلم يعد الحديث عن وجود أعداد كبيرة من طائرات التزوّد بالوقود الأمريكية في إسرائيل مجرد شائعات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح مدعومًا بتقارير إعلامية ومعلومات ميدانية متقاطعة.
إذ ذكرت صحيفة The Times of Israel أن مطار بن غوريون شهد انتشارًا ملحوظًا لطائرات التزوّد بالوقود الأمريكية من طراز KC-46 وKC-135، إلى درجة تسببت بازدحام داخل المطار وأثرت على حركة الطيران المدني. كما نقلت وكالة Anadolu Agency عن تقارير إسرائيلية أن ست طائرات تزوّد إضافية كانت في طريقها إلى إسرائيل ضمن تعزيزات أمريكية متواصلة في المنطقة.
وفي السياق نفسه، تحدثت تقارير متابعة للملاحة الجوية ومواقع متخصصة بالشؤون العسكرية عن وجود عشرات الطائرات الأمريكية الداعمة داخل إسرائيل أو في محيطها، فيما نقلت بعض التقارير عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم لمطار بن غوريون بأنه بات يبدو كأنه “قاعدة أمريكية متقدمة” نتيجة كثافة الوجود العسكري الأمريكي فيه.
أما موقع The War Zone المتخصص بالتحليلات العسكرية والجوية، فقد ربط هذا الحشد مباشرة بإمكانية دعم عمليات جوية بعيدة المدى، موضحًا أن سلاح الجو في إسرائيل يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي في مجال التزوّد الجوي بالوقود، خصوصًا في أي عمليات واسعة قد تتطلب طلعات طويلة ومستمرة.
وفي الوقت ذاته، كانت وزارة الدفاع الإسرائيلية قد أعلنت قبل فترة قصيرة عن استمرار تدفق الإمدادات العسكرية الأمريكية بوتيرة ضخمة، مؤكدة وصول آلاف الأطنان من الذخائر والمعدات خلال فترة زمنية قصيرة، ضمن جسر جوي وبحري متواصل منذ بداية الحرب، شمل مئات الرحلات الجوية والبحرية القادمة أساسًا من الولايات المتحدة.
وهنا يبرز التناقض اللافت بين خطاب يتكرر في بعض التحليلات السياسية والإعلامية حول “نفاد الذخائر” و ”الاستنزاف العسكري”، وبين الوقائع المعلنة التي تشير إلى استمرار تدفق الدعم العسكري الأمريكي بهذا الحجم الهائل.
فالدول التي تستعد لتقليص عملياتها أو الخروج من الحرب لا تبني عادةً مخزونًا ضخمًا من الذخائر الدقيقة، ولا تعزز قدرات التزوّد الجوي والقيادة والسيطرة بهذا الشكل المكثف.
ومن الناحية العسكرية البحتة، فإن طائرات التزوّد بالوقود ليست مجرد معدات دعم ثانوية، بل تُعدّ عنصرًا حاسمًا في أي حرب جوية واسعة.
فهي التي تسمح للمقاتلات بالبقاء في الجو لساعات طويلة، وتنفيذ ضربات بعيدة المدى، وتكرار الهجمات ضمن موجات متتابعة دون الحاجة للعودة السريعة إلى القواعد الجوية.
ولهذا، فإن أي زيادة كبيرة في أعداد هذه الطائرات تُقرأ عادةً باعتبارها مؤشرًا على التحضير لاحتمالات عمليات واسعة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي المحدود.
انطلاقًا من ذلك، يرى بعض المحللين أن ما يجري قد لا يكون مجرد استعراض قوة أو إجراءات ردع نفسية، بل محاولة لبناء قدرة هجومية جاهزة لحسم سريع إذا اتُّخذ القرار السياسي بالحرب.
ويستند هذا التقدير إلى قناعة متزايدة لدى بعض الدوائر العسكرية بأن الحروب الطويلة تستنزف الجميع، وأن أي مواجهة قادمة قد تُدار بعقلية “الضربة الأولى الثقيلة” لمحاولة فرض وقائع جديدة منذ الأيام الأولى.
لكن في المقابل، لا يمكن الجزم بأن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ بالفعل.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أيضًا أن مجرد إظهار القدرة على الحشد الهائل قد يكون جزءًا من استراتيجية الردع ومنع الخصوم من التصعيد، أو وسيلة لتحسين شروط التفاوض ورفع سقف الضغط السياسي والعسكري.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأبرز أن المنطقة تشهد اليوم مستوى من الحشد العسكري واللوجستي يصعب اعتباره اعتياديًا، خصوصًا مع استمرار تدفق الذخائر، وتعزيز القدرات الجوية، وتكثيف الوجود الأمريكي المباشر في مسرح العمليات.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ربما لم يعد: “هل توجد تحضيرات عسكرية؟”
بل: هل المقصود منها منع الحرب عبر الردع… أم التهيئة لحرب يُراد لها أن تكون سريعة وحاسمة منذ اللحظة الأولى؟.