مشروع قانون الإدارة المحلية: الصندوق الاستثماري
د. جعفر النسور
18-05-2026 02:13 PM
على الرغم من أهمية محتوى مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أن ما يلفت الانتباه بشكل خاص هو الجانب الاستثماري في المسودة ، والذي يُعد من أبرز محاور التحول في فلسفة الإدارة المحلية. فالمشروع لا يقتصر على إعادة تنظيم الصلاحيات الإدارية، بل يتجه نحو إعادة تشكيل النموذج المالي للبلديات، بما يتيح لها الانتقال من مرحلة تراكم المديونية والاعتماد المتزايد على الدعم الحكومي، إلى مرحلة الاعتماد على الذات في تمويل الإنفاق البلدي.
هذا التوجه يسعى إلى ايجاد حلول حديثة لتعزيز الإيرادات الذاتية ، وتوسيع قاعدة الاستثمار المحلي، وتمكين البلديات من إدارة مواردها المالية بكفاءة أعلى، بما يسهم في تقليل العجز المالي المزمن وتحويل الوحدات المحلية إلى جهات قادرة على توليد الدخل وتمويل مشاريعها التنموية بشكل مستقل ومستدام.
وإذا أردنا الحديث عن تنمية محلية حقيقية، سواء على المستوى البلدي أو على مستوى المحافظة ، فإن الإطار القانوني يُعدّ الأساس الذي تنضوي تحته عملية تنظيم العلاقة الاستثمارية وتحديد الأدوات المالية والتنفيذية المستخدمة في هذا المجال. فبدون بيئة قانونية واضحة ومستقرة، ستبقى الجهود الاستثمارية محدودة ، وغير قادرة على إحداث أثر تنموي مستدام.
باستطاعة الحكومة إنشاء صناديق استثمارية على مستوى المحافظة والبلدية، باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المحلية. إذ يمكن لهذه الصناديق أن تتحول إلى أدوات فعّالة لتمويل المشاريع الإنتاجية والبنية التحتية والخدمات التنموية، بما يبتعد عن الأساليب التقليدية في التمويل القائمة على الدعم المباشر أو الاعتماد على زيادة الرسوم والضرائب وبدلات الخدمات، ويتجه بدلًا من ذلك نحو نماذج تمويل أكثر استدامة وكفاءة.
ويكتسب هذا الطرح أهمية أكبر في ظل الواقع المالي القائم، حيث تذهب ما يقارب 75% من موازنات البلديات إلى الرواتب ، الأمر الذي يحدّ بشكل كبير من قدرة البلديات على تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية أو الدخول في استثمارات ذات عائد اقتصادي. لذلك، فإن إنشاء صناديق استثمارية منظمة قانونيًا، وعلى مستوى عالٍ من الحوكمة والرقابة، يمثل خطوة جوهرية للانتقال من إدارة الإنفاق إلى صناعة التنمية، ومن الاعتماد على الدعم إلى بناء الاستدامة المالية على مستوى البلديات والمحافظات.
لا أعتقد أن تمويل هذه الصناديق أو زيادة الدعم المخصص للبلديات مرتبطًا بفرض زيادات ضريبية جديدة، خصوصًا تلك التي تعتمد على آلية احتساب الضريبة الواردة في مشروع قانون ضريبة الأبنية والأراضي الذي أثار جدلًا واسعًا. فمثل هذا الربط قد يعيد فتح ملف حساس اجتماعيًا واقتصاديًا، كما أن النهج الاقتصادي الحالي يميل بشكل واضح إلى تبني سياسات ذات طابع استثماري، تقوم على تنشيط الاقتصاد عبر المشاريع التنموية وزيادة الإنفاق الرأسمالي، بدل الاعتماد على رفع الضرائب أو التوسع في الجباية كوسيلة رئيسية لزيادة الإيرادات.
لذلك ، يمكن دعم هذا الصندوق في مرحلته التأسيسية من خلال بناء قاعدة رأسمالية تدريجية تضمن له الانطلاق الفعلي وعدم بقائه إطارًا نظريًا فقط. ويتم ذلك عبر تخصيص نسبة محددة من الرسوم والضرائب المحلية المفروضة بموجب التشريعات النافذة، بحيث تُحوَّل مباشرة إلى هذه الصناديق الاستثمارية.
ويحقق هذا التوجه غايتين أساسيتين: الأولى توفير مصدر تمويل مستقر لتكوين رأس مال أولي، حتى لو كان محدودًا، يمكّن الصندوق من البدء بتنفيذ مشاريع استثمارية صغيرة ذات عائد. والثانية إنشاء دورة مالية داخلية داخل الوحدات المحلية، بحيث لا تبقى الإيرادات محصورة في تغطية النفقات الجارية فقط، بل تتجه تدريجيًا نحو تمويل مشاريع تنموية واستثمارية مستدامة.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يتنامى رأس المال تدريجيًا من خلال إعادة استثمار العوائد المتحققة من المشاريع، إلى جانب توسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتوظيف أدوات تمويل إضافية مثل السندات البلدية والسندات الخضراء. وتُعد هذه الأدوات اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة تمويل الاقتصاد المحلي الحديث، لما توفره من قدرة على تمويل المشاريع التنموية والاستثمارية طويلة الأجل بشكل أكثر استدامة وفعالية.
فالسندات البلدية تمنح البلديات القادرة ماليًا إمكانية تمويل مشاريع طويلة الأجل، مثل النقل العام، والطرق، وشبكات المياه والصرف الصحي وغيرها ، ،بعيدًا عن الضغط المباشر على الموازنات الحكومية. أما السندات الخضراء، فهي تمثل الجيل الأحدث من أدوات التمويل المرتبطة بالمشاريع البيئية والمستدامة، مثل الطاقة المتجددة وإدارة النفايات وخفض الانبعاثات الكربونية، وهي قطاعات أصبحت تجذب اهتمامًا متزايدًا من المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار الدولية.
لكن نجاح هذه الفكرة يتطلب وجود إطار قانوني صارم وواضح، بحيث تُنظم هذه الأدوات المالية بقانون لا بنظام، لضمان الاستقرار التشريعي ومنع إساءة استخدامها أو التوسع غير المنضبط في الاقتراض. كما ينبغي أن يتضمن القانون ضوابط مالية دقيقة تحدد أوجه استخدام التمويل، وتمنع بشكل قاطع توجيهه للنفقات الجارية، سواء الرواتب أوالنفقات التشغيلية، بحيث يقتصر استخدامه على المشاريع الرأسمالية والتنموية فقط.
وبذلك يتحول الصندوق من مجرد وعاء تمويلي ناشئ إلى ذراع استثماري فعّال قادر على دعم التنمية المحلية وتحقيق الاستدامة المالية للبلديات والمحافظات