غربةٌ بلا منفى .. وحنين بلا انين
د. بركات النمر العبادي
18-05-2026 02:24 PM
ما أقسى أن يعود الإنسان إلى بيته فلا يعرفه، وأن يمشي في طرقات وطنه كأنّه عابرُ سبيلٍ لا ابنُ ذاكرة ، فالغربة ليست دائمًا حقائبَ وموانئَ وحدودًا ، بل قد تكون كرسيًا اعتدتَ الجلوس عليه ثم شعرتَ فجأة أنّه لا يعرفك، ونافذةً كانت تطلّ على روحك فأصبحت تطلّ على فراغك.
إنّ أكثر المنافي وجعًا ليس ما أبعدك عن الأرض، بل ما أبعد الأرض عنك.
إن تكون بين أهلك… لكنّك بلا أهل ، ووسط الأصوات… لكنّك بلا صوت ، وأن يزدحم المكان بالوجوه ، بينما يفرغ القلب من الملامح.
لقد تغيّر كلّ شيء ؛ لا الجدران هي الجدران ، ولا القلوب هي القلوب.
كأنّ الأشياء احتفظت بأسمائها وفقدت معانيها، وبقي المظهر بينما هاجر المخبر، وبقي الشكل بينما انطفأت الروح.
فالبيوت التي كانت تُبنى بالمحبّة، أصبحت تُشيّد بالإسمنت فقط، والأحاديث التي كانت دفئًا صارت ضجيجًا، والوجوه التي كانت مرايا للألفة غدت أقنعةً للعبور.
صرنا نعيش مشهدا موجعًا بين القرب والبعد ؛ نقترب بالأجساد ونبتعد بالأرواح، نجتمع حول المائدة لكنّ كلّ واحدٍ يأكل وحده بصمت. حتى الكلمات فقدت صدقها ؛
فالسلام بلا سلام ، والودّ بلا ودّ ، واللقاء بلا لقاء.
وفي هذا الزمن المقلوب ، صار الإنسان غريبًا عن ذاته قبل أن يكون غريبًا عن الآخرين ، يستيقظ فلا يجد النسخة التي كان يعرفها من نفسه ، كأنّ العمر لم يسرق السنوات فقط ، بل سرق المعنى أيضًا ، فالوجوه ذاتها، لكنّ البريق انطفأ ، والأسماء ذاتها ، لكنّ الحنين تبدّل ، والأمكنة ذاتها ، لكنّ الروح التي كانت تسكنها رحلت بصمت.
وما أشدّ قسوة الغربة حين تأتيك من الذين كانوا وطنك الصغير ، حين يصبح العتاب تهمة ، والصدق حماقة ، والوفاء عبئًا ثقيلًا في زمن الخفّة والانفلات ، فكأنّ القيم القديمة تُدفن كلّ يومٍ تحت ركام المصلحة ، وكأنّ الإنسان الحديث يربح العالم ويخسر نفسه.
لقد تبدّل المخبر حتى خدعنا المظهر؛
فالأناقة اتّسعت، لكنّ الذوق ضاق ،
والمباني علت، لكنّ الإنسان هبط ،
والاتصال كثر، لكنّ التواصل مات.
يا لهذه المفارقة التي تجمع الجناس والمعنى معًا:
صرنا نملك “وسائل الاتصال”، لكنّنا فقدنا “فضيلة الوصال”.
إنّ الغربة الحقيقية ليست أن تقول: “لا أحد يعرفني”، بل أن تقول : “الذين يعرفونني لم يعودوا يشبهونني”. وهنا يبدأ الشرخ الخفيّ بين الإنسان والعالم ، بين القلب والزمن ، بين الذاكرة والواقع.
أحيانًا أشعر أنّ الوطن نفسه أصابه التعب ؛ فالأشجار التي كانت تحفظ أسرار الطفولة صارت صامتة ، والأرصفة التي شهدت خطواتنا الأولى باتت تمرّ فوقها أقدامٌ مستعجلة لا تلتفت إلى شيء ،حتى الليل لم يعد الليل ؛ كان سكينةً فأصبح قلقًا ، وكان خلوةً فأضحى وحشة.
ومع ذلك ، يبقى في أعماق الإنسان شيءٌ يقاوم الانطفاء ، شيءٌ يشبه شمعةً صغيرة في آخر العتمة ، أو صلاةً خافتة في قلب الضجيج، فالغربة ، مهما اشتدّت ، لا تستطيع أن تقتل الحنين ، لأنّ الحنين آخر ما يتخلّى عنه القلب حين يخسر العالم.
ولعلّ المأساة الكبرى ليست أنّ العالم تغيّر، فالتغيّر سنّة الوجود ، بل أنّ الإنسان صار يرى التبدّل ولا يجد من يشاركه دهشته أو حزنه ، فيمشي بين الناس كأنّه شاهدٌ على زمنٍ لم يعد يراه أحد سواه ، او انه في غربةٌ بلا منفى....وحنين بلا انين .
وهكذا تبقى الغربة سؤالًا مفتوحًا بين الإنسان ونفسه: هل نحن الذين تغيّرنا ؟
أم أنّ العالم خلع وجهه القديم وتركنا معلّقين بين ذاكرةٍ لا تعود ، وواقعٍ لا يُشبهنا ؟
الوطن هو الشئ الثابت و مادونه متغير
حمى الله الاردن واهله وقيادته