facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جامعة المغطس الحضارية… حين يحرس الأردن ذاكرة الرسالات


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
19-05-2026 10:11 AM

يُعدّ المغطس واحداً من أكثر المواقع الدينية والإنسانية أهمية في الأردن والعالم، ليس فقط لارتباطه العميق بالسردية المسيحية، بل لأنه يمثل شاهداً حياً على تلاقي الحضارات والأديان فوق أرض الأردن. فعلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، وفي منطقة هادئة تتداخل فيها الطبيعة مع الروحانية، يقف هذا الموقع التاريخي بوصفه رمزاً للتسامح والتنوع الديني، ورسالة حضارية تؤكد مكانة الأردن كأرض للرسالات السماوية وملتقى للثقافات عبر العصور.

وترتبط أهمية المغطس باعتقاد ملايين المسيحيين حول العالم بأنه المكان الذي تعمّد فيه السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، أو النبي يحيى بن زكريا عليه السلام. ولهذا اكتسب الموقع قدسية خاصة جعلته محطة رئيسية للحجاج والزوار من مختلف الدول، كما أصبح أحد أبرز المعالم الدينية في الشرق الأوسط. وقد عززت الاكتشافات الأثرية المتتابعة هذه المكانة، إذ كشفت الحفريات عن كنائس قديمة وأرضيات فسيفسائية وبرك للمياه وأديرة تعود للعهدين البيزنطي والروماني، الأمر الذي منح الموقع بعداً تاريخياً وحضارياً بالغ الأهمية.

ولعل أبرز محطة في تاريخ الموقع الحديث تمثلت في إدراجه على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو عام 2015، بعد جهود أردنية كبيرة لتوثيق قيمته الدينية والإنسانية. وقد اعتُبر هذا الإدراج اعترافاً دولياً بأهمية الموقع، وبحق الأردن التاريخي والديني في احتضان هذا الإرث العالمي الفريد. كما شكّل القرار تأكيداً على الدور الحضاري الذي يقوم به الأردن في حماية التراث الإنساني وصون المواقع المقدسة بعيداً عن التسييس أو النزاعات.

ولا تقتصر قيمة المغطس على البعد الديني فقط، بل تمتد إلى أبعاد ثقافية وسياحية واقتصادية مهمة. فالموقع أصبح جزءاً أساسياً من خارطة السياحة الدينية في الأردن، وأسهم في تعزيز حضور المملكة عالمياً باعتبارها مركزاً للحوار الديني والتعايش الحضاري. كما أن الزيارات الرسمية والشعبية المتواصلة للموقع من قادة العالم والشخصيات الدينية والثقافية تؤكد مكانته الدولية، ومن ذلك زيارة الملك تشارلز الثالث حين كان أميراً لويلز للمغطس، في مشهد يعكس الاحترام العالمي لهذا المكان المقدس.

ويتميّز الأردن في تعامله مع هذا الموقع بأنه لم يقدّمه بوصفه معلماً سياحياً فحسب، بل باعتباره رسالة إنسانية وروحية تعبّر عن قيم السلام والاعتدال والتعايش التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها. فالمغطس اليوم يجسد صورة الأردن كدولة تحترم التعددية الدينية وتحافظ على الإرث الروحي للإنسانية، وهو ما ينسجم مع النهج الهاشمي القائم على تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح وترسيخ مفهوم العيش المشترك بين الشعوب والأديان.

وقد أولى جلالة الملك الملك عبد الله الثاني اهتماماً كبيراً بالمواقع الدينية والتاريخية في المملكة، انطلاقاً من إيمانه بأن الأردن يحمل رسالة حضارية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، إلى فضاء الإنسانية الجامعة. وفي أكثر من مناسبة، أكد جلالته أن الأردن سيبقى نموذجاً عالمياً في حماية المقدسات وصون الإرث الديني، باعتباره جزءاً من هوية الوطن ورسالة الدولة الهاشمية التي تستمد شرعيتها التاريخية من خدمة القيم العربية والإسلامية والإنسانية. ومن هذا المنطلق، حظي موقع المغطس بعناية رسمية كبيرة، سواء من حيث تطوير البنية التحتية أو الحفاظ على الطابع الروحي والأثري للمكان، بما يضمن استدامته كوجهة دينية عالمية.

كما يبرز الدور المتنامي لسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في تجسيد الرؤية الأردنية الحديثة القائمة على الاعتزاز بالإرث الوطني والانفتاح على العالم. فسمو ولي العهد يمثل جيلاً أردنياً شاباً يحمل رسالة الدولة بروح معاصرة، تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين حماية الهوية الوطنية وتعزيز صورة الأردن الحضارية على المستوى الدولي. وفي هذا السياق، تأتي المواقع الدينية والتاريخية، وفي مقدمتها المغطس، بوصفها جزءاً من السردية الوطنية الأردنية التي تؤكد أن الأردن ليس مجرد دولة ذات موقع جغرافي مهم، بل وطن يحمل إرثاً إنسانياً وروحياً عميقاً.

ومن هنا، أصبح المغطس جزءاً من القوة الناعمة الأردنية التي تخاطب العالم بلغة الحضارة والثقافة لا بلغة الصراع، وتقدم الأردن بوصفه أرضاً للسلام وموئلاً للتسامح الديني. فبين ضفاف نهر الأردن وهدوء المكان المقدس، تتجسد رسالة الدولة الأردنية التي آمنت دائماً بأن الحوار بين الحضارات هو السبيل الحقيقي لبناء عالم أكثر استقراراً وإنسانية.

ومن الناحية المعمارية والأثرية، يعكس الموقع طبقات متعددة من التاريخ الإنساني. فالآثار الموجودة فيه لا تروي قصة دينية فقط، بل تكشف أيضاً عن تطور العمارة والفنون والطقوس الدينية عبر قرون طويلة. وتمنح الكنائس القديمة والممرات الحجرية وبرك التعميد شعوراً بأن المكان ما زال يحتفظ بروحه الأولى رغم تعاقب الأزمنة. كما أن البيئة الطبيعية المحيطة بالمغطس، بما فيها نهر الأردن والأشجار والنباتات الصحراوية، تضيف إلى المكان طابعاً روحياً وتأملياً يجعل الزائر يشعر بخصوصية التجربة الإنسانية فيه.

وفي السنوات الأخيرة، واصل الموقع تعزيز حضوره العالمي من خلال الجوائز والتكريمات الدولية، إذ حاز في عام 2025 جائزة عالمية للسياحة الأثرية والثقافية تقديراً لجهود الأردن في الحفاظ على الموقع وتطويره وفق معايير السياحة المستدامة. ويعكس هذا الإنجاز نجاح الأردن في الجمع بين حماية التراث وتوظيفه ثقافياً وسياحياً بطريقة تحافظ على أصالته وقيمته الروحية.

إن الحديث عن المغطس هو حديث عن الأردن ذاته؛ عن بلد صغير بمساحته، كبير بتاريخه ورسالته الإنسانية. فهذا الموقع لا يمثل حجارة وآثاراً فقط، بل يمثل ذاكرة روحية عالمية تختزن معاني الإيمان والسلام والتسامح. ومن هنا، فإن الحفاظ على المغطس وتطويره ليس مجرد واجب وطني، بل مسؤولية حضارية تجاه التراث الإنساني كله.

وفي عالم يزداد اضطراباً وانقساماً، يبقى المغطس شاهداً على قدرة الأماكن المقدسة على جمع البشر حول القيم المشتركة. إنه مكان يلتقي فيه التاريخ بالإيمان، وتلتقي فيه الجغرافيا بالروح، ليؤكد أن الأردن سيبقى دائماً أرض الرسالات، وحارساً أميناً لذاكرة الحضارة الإنسانية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :