facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نكبات الأمة .. بين الخيانة الداخلية وغياب المشروع الحضاري


د. بركات النمر العبادي
19-05-2026 10:46 AM

لم تكن هزائم الأمة العربية عبر التاريخ الحديث نتيجة ضعفٍ فطري في شعوبها، ولا عجزٍ في قدراتها الإنسانية والحضارية، بل كانت في كثير من الأحيان ثمرة تراكمات من الفساد السياسي، والانقسام الداخلي، وارتهان القرار الوطني لقوى الخارج. فالأمم لا تسقط فقط حين يشتد عليها العدو، بل حين تفقد من الداخل قدرتها على بناء مشروع يحميها ويمنحها أسباب القوة والاستمرار.

لقد امتلك العرب الثروة والجغرافيا والموارد البشرية، لكنهم أخفقوا طويلًا في تحويل هذه المقومات إلى مشروع نهضوي حقيقي، وبينما انشغلت أمم أخرى ببناء القوة والعلم والاقتصاد، غرقت كثير من الأقطار العربية في صراعات النفوذ، واستنزاف الداخل، وتكريس الفساد والمحسوبيات، حتى أصبحت بعض الأنظمة تخشى وعي شعوبها أكثر من خشيتها لأعدائها.

ولهذا لم تكن النكبات العربية المتلاحقة مجرد هزائم عسكرية ، بل تعبيرًا عن غياب الإرادة السياسية الجامعة، وعن انهيار مفهوم الردع الحضاري، فتركيا بنت مشروعًا قوميًّا يستند إلى الهوية والقوة، وإيران أسست مشروعًا وطنيًّا قائمًا على النفوذ والاستقلال، وإسرائيل بنت كيانها على التخطيط والعلم والعقيدة الأمنية، بينما بقي العالم العربي في كثير من محطاته أسير ردود الفعل تتحكم به الانقسامات أكثر مما تحكمه الرؤى الاستراتيجية.

ومع ذلك، فإن الأزمة الحقيقية لم تكن يومًا في الشعوب العربية نفسها، بل في النخب التي أدارت الدولة بعقلية المصالح الضيقة، وفي الفساد الذي التهم مقدرات الأمة، وفي التبعية التي عطلت إمكانات النهوض. فكم من فرصة تاريخية ضاعت، وكم من ثروة أهدرت، وكم من مشروع وطني أُجهض لأن بعض الساسة اختاروا حماية مواقعهم بدل حماية أوطانهم.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز الأردن بوصفه نموذجًا للدولة التي حافظت على توازنها رغم محدودية الموارد وقسوة التحديات. فالفكر المحافظ الأردني، القائم على ثلاثية الأرض والإنسان والهوية ، أدرك مبكرًا أن قوة الدولة لا تُقاس بحجم الثروة وحدها ، بل بصلابة المؤسسات ، ووحدة المجتمع ، ووعي القيادة بحساسية الجغرافيا وتعقيدات الإقليم ، ولهذا استطاعت القيادة الهاشمية أن تحافظ على استقرار الدولة الأردنية وثوابتها القومية ، وأن تبقي القضية الفلسطينية جزءًا من الضمير السياسي الأردني والعربي، رغم كل الضغوط والتحولات.

لقد أدركت القيادة الهاشمية منذ عقود أن بقاء الدولة لا يقوم على المغامرات الشعبوية ، بل على الحكمة السياسية ، وبناء الإنسان ، وصيانة المؤسسات ، والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة ، وبينما امتلكت دول عربية ثروات هائلة وانهارت تحت وطأة الفوضى والفساد والصراعات ، بقي الأردن واقفًا رغم شح الموارد وقسوة الجغرافيا وتعقيدات الإقليم ، وهو ما يعكس قوة الإرادة السياسية وصلابة الدولة الأردنية.

إن نكبات الأمة العربية لم تكن قدرًا محتومًا، بل نتائج طبيعية لأخطاء داخلية تراكمت عبر الزمن. وحين تدرك الأمة أن معركتها الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل، ومن تحرير القرار الوطني، ومن بناء مشروع حضاري مستقل، فإن طريق النهضة يصبح ممكنًا. فالتاريخ لا يرحم الأمم النائمة، والفرص لا تنتظر المترددين، ومن لا يصنع مشروعه بنفسه سيجد نفسه دائمًا جزءًا من مشاريع .

وختاما ، إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس قوة أعدائها ، بل استمرار العجز عن بناء مشروع عربي حقيقي يقوم على الوعي والسيادة والإنتاج والعدالة ، فالأمم لا تُهزم حين تخسر معركة ، بل حين تفقد إيمانها بذاتها ، وحين يتحول الفساد إلى ثقافة ، والتبعية إلى سياسة ، والانقسام إلى قدر دائم. ومن هنا، فإن الفكر المحافظ الأردني يقدّم معنى عميقًا للدولة بوصفها حصنًا للهوية والاستقرار والكرامة الوطنية ، لا مجرد سلطة عابرة ، فالأوطان تُبنى بالعقل لا بالشعارات ، وبالمؤسسات لا بالفوضى ، وبالانتماء الصادق لا بالمزايدات ، والتاريخ يثبت دائمًا أن الأمة التي تعرف جذورها وتحمي هويتها قادرة ، مهما تعثرت، على النهوض من جديد.

حمى الله الاردن من كل كرية

* حزب المحافظين الاردني / مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :