جامعة عمان العربية والانجاز
د.جلال الشورة
20-05-2026 02:00 PM
ليست المشكلة في أن يحصل الإنسان على شهادة، فالشهادات أصبحت كثيرة، والجامعات أكثر، والألقاب لم تعد نادرة.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم: كم جامعة تستطيع أن تصنع شخصية؟
كم جامعة تستطيع أن تحوّل الطالب من شخص يجلس في آخر القاعة خائفًا من الكلام… إلى إنسان قادر على الوقوف أمام الناس، وتحليل الوقائع، والدفاع عن فكرة، وتحمل مسؤولية كلمة قد تغيّر مصير إنسان؟
هنا تحديدًا تبدأ قيمة التعليم الحقيقي.
وما شهدناه اليوم في جامعة عمان العربية خلال المحاكمة الصورية المتعلقة بالأخطاء الطبية، برعاية رئيس مجلس الأمناء الدكتور عمر الجازي، لم يكن مجرد نشاط جامعي عابر، بل رسالة واضحة بأن هناك مؤسسة أكاديمية تدرك أن القانون لا يُدرّس بالحفظ وحده، وأن العدالة لا يفهمها من يقرأ النص فقط، بل من يتعلم كيف يقف بثبات حين يتحدث باسم الحق.
لقد رأينا اليوم طلبة يدخلون إلى قاعة المحاكمة بعقول تبحث، وبشخصيات تتشكل أمامك بثقة ووعي. رأينا لغة قانونية، وقدرة على التحليل، ومرافعات تعكس أن الجامعة لا تعمل على تخريج حافظي مواد، بل على صناعة إنسان قانوني يعرف كيف يفكر، وكيف يناقش، وكيف يتحمل مسؤولية موقفه.
وهذا هو الفارق بين جامعة تمنح معلومة… وجامعة تصنع هيبة.
إن أخطر ما تواجهه بعض مؤسسات التعليم اليوم أنها تُخرج طلبة يحملون أوراقًا أكثر مما يحملون شخصية. يعرفون النصوص، لكنهم يترددون أمام الواقع. يحفظون القانون، لكنهم لا يعرفون كيف يقفون بثقة، أو كيف يديرون مواجهة قانونية أو فكرية حين تحين اللحظة الحقيقية.
أما الجامعة التي تضع الطالب داخل تجربة تحاكي الواقع، وتدفعه إلى التفكير والمرافعة وتحمل الضغط، فهي لا تعلّمه القانون فقط، بل تعلّمه الحياة المهنية بكل ما فيها من مسؤولية وثبات وشجاعة.
ولأن موضوع المحاكمة كان حول الأخطاء الطبية، فقد كانت الرسالة أعمق. فهذه القضايا لا تتعلق فقط بنصوص قانونية، بل بحياة الإنسان وكرامته وثقة المجتمع بالمؤسسات. ولذلك فإن تدريب الطلبة على التعامل مع هذا النوع من الملفات يخلق عقلًا قانونيًا أكثر نضجًا وإنسانية ووعيًا.
فالمحاكم لا تسأل يومًا عن عدد الساعات الدراسية التي درسها المحامي، بل عن قدرته على الوقوف، والتحليل، والإقناع، وتحمل المسؤولية حين تكون حقوق الناس بين يديه. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يحمل شهادة… ومن يحمل شخصية قانونية حقيقية.
إن جامعة عمان العربية تستحق الإشادة لأنها تقدم نموذجًا لجامعة تفهم أن دورها لا ينتهي عند قاعة التدريس، بل يبدأ منها. جامعة تدرك أن بناء الوطن لا يكون فقط بالمباني والخطط، بل بصناعة شخصيات قادرة على حمل المسؤولية حين يحين وقت المواجهة.
كما أن دعم رئيس مجلس الأمناء الدكتور عمر الجازي لهذا النوع من الأنشطة يعكس فهمًا حقيقيًا لمعنى التعليم الذي يبني الإنسان قبل أن يمنحه اللقب.
واليوم، خرجت بقناعة واضحة:
أن بعض الجامعات تُعطيك شهادة…
لكن القليل منها فقط يمنحك شخصية تستطيع أن تقف يومًا أمام العدالة… دون أن يرتجف صوتها.