شاشتنا الوطنية والعهد الجديد .. أزمة الرؤية أمام فرصة التجديد
فيصل تايه
23-05-2026 09:43 AM
يحمل التوجه لتعيين الإعلامي والمخرج المبدع الأستاذ مهند الصفدي مديراً عاماً لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية دلالة تتجاوز حدود التغيير الإداري التقليدي؛ إذ يعكس انحيازاً مستحقاً لابن المؤسسة الذي تدرج في مساراتها مخرجاً ومبدعاً ومديراً للإنتاج والبرامج والإذاعة، حتى أصبح جزءاً أصيلاً من ذاكرتها المهنية وامتدادها الطبيعي.
وإذ نرفع لعطوفته أسمى آيات التهنئة والتبريك على هذه الثقة، فإننا ندرك أن هذه اللحظة لا تُقرأ بوصفها إجراءً إدارياً ماراً ، بل باعتبارها بداية مرحلة جديدة تتقاطع فيها التحديات مع الآمال، وتُختبر فيها قدرة المؤسسة على إعادة التموضع واستعادة الثقة.
إن إعادة قراءة هذا الواقع وتفكيك تحدياته تأتي في سياق وطني أوسع يرتبط بمسارات التحديث الشامل (السياسي والاقتصادي والإداري) التي تلج بها الدولة الأردنية عهدها الجديد، تماشياً مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز موثوقية العمل الحكومي.
وفي هذا الإطار تحديداً، يكتسب الإعلام الرسمي، وفي مقدمته التلفزيون الأردني، موقعاً محورياً بوصفه أداة من أدوات الدولة في بناء الوعي العام وصياغة السردية الوطنية، لا مجرد نافذة بث، بل مشروعاً للوعي العام، ومنبراً للدولة وصوتها، وخط دفاع أول عن الذاكرة الجمعية في لحظات التحول الكبرى.
غير أن قراءة واقع ما يقدمه الإعلام الرسمي، وفي مقدمته التلفزيون الأردني ضمن أذرعه الإعلامية، تكشف في السنوات الأخيرة أن الأزمة لم تكن أزمة أدوات أو إمكانات ، بقدر ما كانت أزمة خطاب وقدرة على الوصول إلى عقل المشاهد الجديد؛ في زمن لم يعد فيه الإعلام التقليدي يحتكر صناعة التأثير، بل بات مطالباً بإعادة تموضعه داخل بيئة مفتوحة تنافس فيها المنصات الرقمية على الوعي والاتجاهات والقيم.
ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب الانتقال من منطق البث إلى منطق صناعة المحتوى المؤثر، وبناء منصات رقمية تفاعلية قادرة على محاكاة لغة الأجيال الجديدة واختراق الفضاء الرقمي بمحتوى سريع ورشيق، يلامس هموم الناس اليومية دون الوقوع في أسر الخطاب التقليدي أو التكرار النمطي.
وفي عمق هذا التحول، تتجاوز المسألة بعدها الإعلامي المباشر داخل التلفزيون الأردني "الوطني" لتلامس مفهوم السيادة المعرفية والأمن الرقمي للدولة، وهو ما يتطلب من وزارة الاتصال الحكومي والمؤسسات المعنية الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة وبناء الوعي الاستباقي؛ فلم يعد المطلوب إدارة شاشة تقليدية، بل بناء منظومة اعلامية مبادرة تصنع الحدث ولا تكتفي بنقله، وتنتج المعنى ولا تكتفي بتداوله، بما يعكس فكر الدولة وهيبتها ، ويحمي الفضاء الإدراكي العام من الفوضى المعلوماتية.
فعلى الصعيد الاقتصادي، نحن بحاجة إلى إعلام يتقن لغة الأرقام ولغة الناس معاً، يفكك التعقيدات المالية ويشرح السياسات العامة بموضوعية تطمئن الشارع وتجذب الاستثمار.
وفي هذا السياق، يكتسب أداء الإعلام الرسمي كجزء من البنية العامة للثقة الاقتصادية أهميةً غير مباشرة، إذ تسهم كفاءته في تعزيز مناخ الثقة العام، بينما ينعكس ضعف الأداء أو تأخر التطوير سلباً على صورة البيئة الاستثمارية ومصداقية الخطاب العام.
أما في الجانب السياسي، فالمطلوب خطاب رصين يوازن بين المسؤولية الوطنية وحرية الطرح، ويواكب منظومة التحديث السياسي، ويهيئ المساحة الإعلامية لإنضاج التجربة الحزبية والبرلمانية الجديدة بمسؤولية تليق بمكانة الأردن ودوره الإقليمي.
ولا يقل الجانب التربوي والقيمي أهمية عن غيره من المسارات؛ فالإعلام الذي يتخلى عن دوره التربوي يترك فراغاً تملؤه الشائعات وخطابات الانغلاق والكراهية. فنحن اليوم بحاجة إلى شاشة تربي قبل أن ترفه، وتتعامل مع الشباب كطاقة واعية تستحق التوجيه، وتمتد رسالته إلى المحافظات والبوادي والأرياف لتوثيق الحياة الأردنية بصدقها وعمقها الإنساني.
وينسحب هذا التوجه أيضاً على الخطاب الديني الإعلامي، الذي ينبغي أن يقدم عبر طرح وسطي رصين، يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويواجه التطرف بالفكر والحجة والقدوة، بما يعزز حضور الخطاب الديني المعتدل في الفضاء العام ويكرّس دوره في بناء الوعي المجتمعي.
وامتداداً لمنظومة بناء الوعي الثقافي الشامل، وفي إطار التداخل الطبيعي بين القيم وأدوات التعبير الفني، تبرز الدراما الأردنية كأحد أهم أدوات تشكيل الهوية والوعي، وهو ما يستدعي إعادة الاعتبار لها ضمن رؤية إنتاجية عادلة ومتكاملة، تُسند فيها الأدوار إلى الفنانين والممثلين الأردنيين، ولا سيما أصحاب الخبرة والحضور الذين شكلوا ذاكرة الدراما الوطنية، إلى جانب تمكين الجيل الجديد من المواهب الشابة، بما يعزز استمرارية التجربة وتطورها.
كما يقتضي ذلك بناء شراكة حقيقية مع نقابة الفنانين الأردنيين من جهة، ومع شركات الإنتاج الخاصة من جهة أخرى، باعتبارها شريكاً أساسياً في صناعة المحتوى الدرامي، بما يفتح المجال أمام إنتاج أعمال نوعية تعكس المجتمع الأردني بصدق، وتواكب في الوقت ذاته تطور الذائقة العربية وتنافسية السوق الإقليمي.
وفي البعد المؤسسي، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للمذيعين والإعلاميين الذين شكّلوا ذاكرة التلفزيون الأردني المهنية عبر عقود، إلى جانب استعادة الكفاءات التي غادرت أو أُقصيت في مراحل سابقة نتيجة اجتهادات إدارية افتقرت أحياناً إلى المعايير المؤسسية. ويتكامل هذا الإنصاف مع ضرورة الاستثمار الجاد في الكوادر الشابة وبناء الصف الثاني والجنود المجهولين خلف الكواليس؛ فإعادة التوازن بين الخبرة المتراكمة والطاقة الجديدة ليست مسألة إدارية ثانوية، بل شرط أساسي لإعادة بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والتأثير الفعلي.
ولترجمة هذا الطرح إلى واقع تنفيذي يخدم الإدارة الجديدة، تبرز الحاجة اليوم إلى مأسسة التنسيق البرامجي والإعلامي بما ينسجم مع مستهدفات التحديث، وتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية بما يستوعب التحولات الرقمية المتسارعة، إلى جانب تبني رؤية وطنية للإعلام الرقمي تعزز حضور الدولة في الفضاء المعرفي، وتحمي الوعي المجتمعي، وتفتح المجال أمام تأهيل الكفاءات الإعلامية الشابة القادرة على مواكبة أدوات التأثير الحديثة.
ومن هنا، فإن استعادة ثقة الجمهور لا يمكن أن تتحقق بالشعارات، بل عبر مهنية راسخة، ورؤية واضحة، وانحياز حقيقي للكفاءة والإبداع؛ وحين يعلو منطق الفكر على منطق الوجاهة، وتُفتح المساحات للنقد المسؤول، يعود التلفزيون الأردني إلى مكانه الطبيعي: منبراً للدولة وضميراً عاماً للمجتمع، شريكاً في صناعة الوعي والمعنى، لا مجرد ناقلٍ للأحداث أو متلقٍ لها.
إن هذه الرؤية الاستشرافية تضع أمام صانع القرار جملة من البدائل والحلول العملية القادرة على تسريع وتيرة الإنجاز في عهد أردني متجدد يمتلك مقومات الريادة.
وكل الثقة بأن الإدارة الجديدة قادرة على قيادة هذا التحول نحو مرحلة أكثر نضجاً واتساقاً مع طموحات الدولة الأردنية في مئويتها الثانية، داعين المولى عز وجل أن يوفق الأستاذ مهند الصفدي في حمل هذه المسؤولية.
والله ولي التوفيق.