الاستقلال مشروعنا الدائم وحبنا اللامشروط
النائب د. ديمة طهبوب
23-05-2026 01:57 PM
فاقد للبصيرة من لا يرى الأشياء الا بعين العور وتتبع الأخطاء والنواقص، فليس الإنصاف أن نرى العثرات وحدها، وليس من الحكمة أن نُطفئ الضوء لأن في المشهد ظلالا قاتمه. فالأمم التي تحترم نفسها لا تعيش على التصفيق الدائم، ولا على الهدم الدائم، بل على المراجعة الصادقة، تنتقد لتصلح، وتعترف بالمنجز لتبني عليه، وتقدم المشروع وتضع عزمها في تحقيقه.
والأردن ليس بلا مشاكل أو تحديات أو أوجاع كأي بلد على وجه البسيطة، لكن الواجب يقتضي أيضا أن ننظر إلى ما تحقق بعين الامتنان لله أولا ثم لكل الاردنيين الذين قدموا، لا بعين الجحود، وأن نقرأ المسيرة كاملة، لا أن نتوقف فقط عند لحظات التعب والتعثر، وأن نعقد العزم على أن نغير ونصلح ما دام في العمر يوم أغر.
لقد ولد الأردن مع تحديات كبيرة، وفي قلب منطقة لم تعرف الهدوء يوما، ولكن اهله بقيادتهم وحبهم لبلدهم استطاعوا أن يبنوا بحمد الله دولة مستقرة، ومؤسسات راسخة نريد أن تستعيد ألقها وانجازها مزيدا، وجيشا عنوانه الكرامة والشرف والنخوة .
ومنذ الاستقلال، لم يكن الطريق مفروشا بالرخاء، بل بالحروب والأزمات والضغوط الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك بقي الأردن واقفا، لا ينكسر ولا يتفكك، وكأن في ترابه سرا من الصبر والإيمان والتحدي والبركة التي ذكرها القرآن في كل ما يحيط بالمسجد الأقصى.
ومن الواجب أن نتذكر أن الأردن الذي بدأ أولاده بالدراسة مبكرا في عهد الإمارة في المدارس في حواضر المدن الكبرى تابع المسيرة مدركا أن التعليم سلاح قوة وطوق نجاة، وصار خريجو الأردن ينافسون في جامعات العالم ومختبراته ومراكزه العلمية، ومن الإنصاف أن نتذكر أن الأردن استطاع أن يجعل التعليم قيمة وطنية كبرى حتى غدا من أقل الدول في مستوى الأمية، وغدا العقل الأردني ثروة تمشي على الأرض وعقلا وساعدا قدم لاخوته العرب وبنى معهم نهضتهم وما يزال
ومن الواجب أن نرى كيف تحولت المستشفيات الأردنية إلى قبلة للعلاج في المنطقة، وكيف أصبح الطبيب الأردني موضع ثقة واحترام، وبلسما على شكل بشر لكل من أرهقتهم الحروب والصراعات لا ينأى بنفسه في دعة ورفاهية الطب في العيادات والمستشفيات، بل يمتشق ادواته كما يمتشق الجندي سلاحه ويسارع الى كل ميدان فيه طفل يتوجع أو كبير سن أرهقه المرض او امرأة هدها الفقد
ومن الواجب أيضا أن نتوقف أمام لحظات العزة الوطنية كتعريب قيادة الجيش، وأمام معركة الكرامة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل استعادة لثقة أمة بنفسها.ومن الإنصاف أن نذكر أن الأردن فتح أبوابه لاشقائه رغم الأزمات الاقتصاديه، وأنه حافظ على دوره الإنساني والقومي. وأن دبلوماسيته استطاعت أن تمنح الأردن مكانة تتجاوز حجمه الجغرافي، وأن تبقي صوته حاضرا في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس والوصاية الهاشمية على المقدسات التي أراها معركة مستمرة في ظل التهويد المحموم، وأمانة واجبة الحفظ حتى التحرير
ومن الواجب أن نرى كيف توسعت خارطة الإغاثة الأردنية عبر السنين، وكأن كل جرح للانسانية جرحنا وكيف امتدت خارطة الأعمال الإغاثية بامتداد خارطة الألم العربية لتثبت بالفعل أن الجود الأردني دائما موجود وإن قل الموجود، وأن الأردن لن يكون الا لاخوته في السراء يفرح لهم وفي الضراء يحمل معهم
ومن الواجب أن نرى كيف تقدمت المرأة في التعليم والعمل والسياسة، وكيف خرجت أجيالا كاملة من البيت والمدرسة والمصنع والجامعة والجامع تحمل طموحا أكبر من الإمكانات، وإصرارا أكبر من الظروف. والأمثلة تطول والميادين تتسع وما غرفت من الينبوع الا رشفة تذكر العطشان أن في هذه البلاد ريّا رياناً لمن تمسك بها وعمل لأجلها
نعم، لدينا تحديات اقتصادية، وبطالة، ومديونية، وأخطاء إدارية، ومواطن خلل تستحق النقد والمحاسبة والإصلاح، وأناس قدموا مصالحهم الذاتية على مصلحة الجميع، لكن النقد الحقيقي لا يقوم على جلد الذات فقط، بل على الرغبة في البناء والاصلاح، والوطن لا يُحب بالصمت على الأخطاء، ولكنه ايضا لا يُحب بإنكار إنجازاته وتصغير مقدراته، والذين يريدون الإصلاح حقا لا يكتفون بالنقد، بل يتبعونه بالعمل مهما كانت الصعوبات.
ثم إن بناء الدول ليس محطة واحدة، ولا إنجازا نهائيا نصله ثم نتوقف بعده؛ بناء الدول صيرورة مستمرة وتعب يتجدد، ومراجعة لا تتوقف، وقدرة دائمة على استعادة الألق بعد الكبوه، والنهوض بعد العثره، والعفو بعد الزله، واليقظة بعد الغفله، والاستثمار بعد السبات، بناء الاردن أمانة نورثها لابنائنا وأحفادنا ووصية نكتبها بمداد العمر قالها شاعر الاردن سليمان عويس:
أوصيك يا ابني بالوطن هذا الوطن غالي
أغلى من الروح الوطن لا تقول بتغالي
أوصيك يا ابني ما أحد يرتع أبد زرعه
مهر الكرامة ادفعه مهما يكن غالي
أوصيك لو عضك دهر احرص تقول أوَّاه
داء الذليل الولوله أما النسر ما أقواه
وهنا لا بدي لي من الحديث عن فطرة وخامة الانسان الاردني المجبولة بأصالة لا تغيرها تصاريف الدنيا من فقر او غنى او رخاء او شدة، الفطرة السليمة التي تتجلى في حب الله وتقواه وسجادة الصلاة التي تفرش في أي مكان وكل مكان، والضمير الحي الذي يعرف معنى الأمانة حتى وان كان محتاجا، ويعرف المعروف وينكر المنكر، والقلب الواسع الذي يفرج للجيران ويأسى لحزنهم، وتوقير الكبير وبر الوالدين والحنو على اصحاب الحاجات، وما زال يتوق لفلسطين حرة ويقف معها في كل المواقف بالباع والذراع أليس هذا منجزا يستحق الاحتفاء به في عالم تحول الى غابة يتصارع ساكنوها لبقاء الأقوى، نعم الانسان الأردني بكل قيمه النبيلة هو منجز فوق مادي لكل من ربى وعلم وضحى حتى نبقى نشامى واولي عزم وعزيمة
والأردن اليوم، رغم كل الضغوط، ما يزال يملك عناصر النهوض: الإنسان المتعلم، والموقع الجغرافي المستقر، والخبرة، والمؤسسات، والقدرة على التكيف. وما يزال قادرا على أن يستعيد تميزه إذا انتصر للكفاءة، وفتح المجال للشباب، وربط التعليم بسوق العمل، وحارب الواسطة والبيروقراطية، وأعاد الاعتبار لفكرة العدالة وتكافؤ الفرص، ونوع تحالفاته السياسيه مع من يقدرون التعاون الانساني والاخوة العربية الاسلامية بعيدا عن الدول التي تدور فقط في فلك السلطة والاستبداد والمال
ولهذا، فإن الإنصاف للوطن يقتضي أمرين معا: أن نشيد بالمنجز بعدل واعتزاز، وأن نشير الى الخلل بصدق، وأن نؤمن بأن المستقبل يبنى على الوعي والعمل والتكاتف بين أبناء المجتمع وجمع الكل الواحد على مشروع الوطن. فلا نهدم كل شيء لأننا نغضب، ولا نصفق لكل شيء لأننا نحب، بل نكون أوفياء للحقيقه وللأردن، ماضيه الطيب، وحاضره ومستقبله الذي يستحق أن نعمل له ليبقى زاهيا طيبا وظافرا أغلبا
ولنتذكر أن الاردن ليست الحكومة التي قد تقصر احيانا في حقوقك كمواطن، والولاء للوطن لا يتأثر بما نأخذه منه، بل يزداد بما نعطيه له وما نعمله لرفعته ورفعة مواطنيه وعيشهم الكريم
لقد كان الأردن وما زال وطن الذين يصنعون الممكن من القليل، ثم يوسعون حدوده بالإرادة والعمل والأمل فكن أنت صاحب تلك الهمة والعزيمة التي تبني وتحافظ على الاستقلال والوطن.
وصدق الشاعر اذ قال:
بلادي هواها في لساني و في دمي
يمجدها قلبي و يدعو لها فمي
و ليس من الأوطان من لم يكن لها
فداء، و ان أمسى اليها ينتمي
و من يظلم الأوطان او ينسَ حقها
تجبه فنون الحادثات بأظلم
و ما يرفع الاوطان الا رجالها
و هل يترقي الناس الا بسلم
كل عام ووطننا بخير واهلنا بخير واستقلالنا ثابت وراسخ وفي مزيد منعة وقوة