أخطر ما تواجهه الدولة .. اللامبالاة السياسية
فيصل تايه
24-05-2026 09:22 AM
عندما تُقر الحكومة، وعلى لسان وزير الإدارة المحلية، بتراجع الحماسة الشعبية تجاه الانتخابات، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بمجرد نسب مشاركة أو مزاج انتخابي عارض ، بل تتحول إلى مؤشر سياسي بالغ الخطورة يتعلق بجوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبمستوى الثقة العامة بفاعلية المجال العام وقدرته على إنتاج أثر حقيقي في حياة الناس.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد والأمن والخدمات، وإنما أيضاً بقدرتها على إبقاء المواطن مؤمناً بأن صوته ما يزال قادراً على التأثير، وأن المشاركة السياسية ليست طقساً موسمياً يتكرر كل عدة أعوام، بل أداة حقيقية لصناعة القرار وإدارة الشأن العام.
وفي هذا السياق، جاء تعديل قانون الإدارة المحلية ضمن مسار أوسع من المراجعات التشريعية والإدارية التي تستهدف تطوير أدوات الإدارة المحلية وتحسين كفاءتها، استجابة لجملة من التحديات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تراجع مستويات المشاركة واتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالنصوص القانونية بحد ذاتها، بل بقدرتها على استعادة المعنى السياسي للمشاركة ، فهل تكفي التعديلات الإجرائية لإعادة الناس إلى صناديق الاقتراع، إذا كان جزء واسع من المواطنين لم يعد يشعر أصلاً بأن صوته يُنتج فرقاً ملموساً في واقعه المعيشي أو التنموي؟
هنا تحديداً تبدأ الأزمة الأعمق؛ لأن العزوف السياسي لا يولد فجأة، ولا يصنعه ظرف انتخابي مؤقت، بل يتشكل عبر سنوات طويلة من التراكمات، حين يشعر المواطن أن نتائج الانتخابات لا تنعكس على مستوى الخدمات أو التنمية أو العدالة في توزيع الفرص، وأن المؤسسات المنتخبة تُحمّل مسؤوليات أكبر بكثير من الصلاحيات والموارد الممنوحة لها.
وهنا نصل إلى أصل المشكلة البنيوية في الإدارة المحلية نفسها؛ فالمجالس المنتخبة، سواء البلدية أو مجالس المحافظات، ظلت لسنوات تعمل ضمن هوامش محدودة من القرار المالي والإداري، وسط تداخل معقد بين الأدوار التنفيذية والتنموية، الأمر الذي جعل جزءاً كبيراً من الإخفاقات الخدمية يُحسب عليها، بينما لا تمتلك فعلياً الأدوات الكافية لمعالجتها.
ومع الوقت، لم تعد الأزمة أزمة أداء مجالس فقط، بل أزمة ثقة بجدوى التمثيل المحلي نفسه ، فحين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئاً ملموساً، تتراجع قناعته تدريجياً بأن الانتخابات قادرة على إنتاج أثر حقيقي، ويتحول العزوف من موقف مؤقت إلى مزاج عام يتوسع بصمت داخل المجتمع ، ويعطل تحويل هذه المجالس إلى رافعة حقيقية للأمن التنموي المستدام المحتضن لتطلعات الشباب في المحافظات والأطراف .
والأخطر من ذلك أن هذه اللحظة تأتي في ذروة الحديث عن مشروع التحديث السياسي، ذلك المشروع الذي انطلق برؤية ملكية سامية ومستنيرة من لدن جلالة الملك ، والذي أراد جلالته من خلاله تأسيس مرحلة جديدة ترتكز على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، وتعزيز الحياة الحزبية وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الفاعلية لا الشكل ، وتمكين الشباب والمرأة، والانتقال نحو العمل الحزبي البرامجي الفاعل
ومن هنا تظهر المفارقة التي لا يمكن تجاهلها: كيف يمكن إقناع المواطن بالانخراط في العمل الحزبي والسياسي، بينما ما تزال قطاعات واسعة تشعر بأن المؤسسات المنتخبة محدودة التأثير، وأن الفجوة بين المشاركة والنتائج ما تزال قائمة؟
إن أخطر ما قد تقع فيه الحكومة في مثل هذه اللحظات هو أن يُفهم العزوف الشعبي باعتباره مبرراً لتقليص المساحات الديمقراطية أو التوسع في الحلول الإدارية المؤقتة، بدل التعامل معه باعتباره رسالة سياسية تستدعي مراجعة أعمق لبنية الإدارة المحلية وللعلاقة بين الدولة والمجتمع.
فالتجارب السياسية الرصينة تثبت أن ضعف المؤسسات الديمقراطية لا يُعالج بتجاوزها، بل بإصلاحها، وأن انخفاض المشاركة لا يُواجه بتضييق المجال العام، بل بإعادة الاعتبار له، وربط المشاركة السياسية بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يغضب الناس، بل عندما يفقدون اهتمامهم أصلاً، فحين تتحول السياسة في نظر قطاعات واسعة من المجتمع إلى مساحة بلا أثر، فإن النتيجة لا تكون احتجاجاً دائماً، بل انسحاباً هادئاً من المجال العام، وتآكلاً تدريجياً لفكرة المشاركة نفسها.
وفي هذا السياق، يجدر التمييز بين العزوف السياسي واللامبالاة السياسية؛ فالعزوف، في كثير من الأحيان، قد يكون تعبيراً عن احتجاج أو فقدان ثقة قابل للاستعادة ضمن إطار إصلاحي ومراجعة للأداء، أما اللامبالاة السياسية فهي مرحلة أكثر عمقاً وخطورة، لأنها تعني تراجع اهتمام المواطن بالشأن العام ذاته، وانسحابه التدريجي من فكرة المشاركة بوصفها أداة للتأثير والتغيير.
وهنا تحديداً تتشكل اللامبالاة السياسية؛ لا كحالة صامتة فحسب، بل كأخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة تسعى إلى بناء مشروع تحديث طويل الأمد، لأن الدولة تستطيع أن تواجه المعارضة، لكنها تواجه خطراً أكبر بكثير حين يتراجع إيمان الناس بجدوى المشاركة من الأساس.
إن ما يجب أن تلتفت إليه دوائر صنع القرار بجدية فائقة، هو أننا لسنا أمام جيل يمارس العزوف ، بل أمام أجيال جديدة شابة ولدت رقمياً وتتلقى وعيها خارج الأطر التقليدية؛ أجيال تقرأ كفاءة الدولة عبر مؤشرات ملموسة: فرصة عمل عادلة، وبنية تحتية محترمة، ومؤسسات رشيقة تلبي طموحها.
وحين تعجز المجالس المحلية والبلدية (بسبب تكبيل صلاحياتها وموازناتها) عن تقديم هذه المؤشرات، فإن هذه الكتلة الشبابية الحرجة لن تكتفي بالعزوف، بل ستذهب نحو الاغتراب السياسي الكامل وإنتاج فضائها الخاص بعيداً عن أروقة الشراكة الوطنية، وهو ما يمثل التحدي الحقيقي والأعمق للأمن التنموي والسياسي للدولة.
اننا وفي لحظة إقليمية واقتصادية شديدة التعقيد، يحتاج الأردن أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة ترميم الثقة العامة، لا عبر الخطاب وحده، بل عبر بناء نموذج يشعر فيه المواطن أن صوته ينتج أثراً، وأن المشاركة السياسية ليست مجرد واجب انتخابي، بل شراكة حقيقية في صناعة المستقبل.
والله ولي التوفيق