نحتفل برفع العلم ونستعيد صور الماضي
بشر محاسنة
25-05-2026 10:24 PM
في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن، نحتفل برفع العلم ونستعيد صور الماضي، ونتوقف أمام معنى الاستقلال الحقيقي، ذلك المعنى الذي يرتبط بتحرير الأرض، وتحرير الإنسان من الخوف، ومن الهزيمة النفسية، ومن الشعور بالأمل تجاه المستقبل. فالأوطان تنهض بالشعارات حين تتحول إلى عمل، وتنهض بعقول تؤمن بنفسها، وبشعوب تتمسك بالصمود مهما اشتدت الأزمات.
نعيش اليوم في زمن مختلف، زمن تخاض فيه الحروب بطرق غير تقليدية. أصبحت المعركة داخل العقول والقلوب أيضا. هناك حرب يومية تشن عبر الخوارزميات التي تبتلع الإنسان ببطء، وتدفعه إلى التصفح المفرط، وإلى الغرق في المقارنات والإحباط والخوف المستمر. يستيقظ كثير من الشباب وينامون على سيل من الأخبار السلبية، والصور المقلقة، والمحتوى الذي يعيد إنتاج اليأس كل يوم، حتى تحول الإحباط عند البعض إلى حالة عامة، وكأن الهزيمة النفسية أصبحت واقعا يفرض نفسه.
والأخطر أن أجيالا كاملة تشبعت بفكرة غياب الأمل، وبأن الأمة انتهت، وبأن الماضي وحده كان جميلا. انتشرت فكرة “الزمن الجميل” بشكل جعل البعض يرى الحاضر وكأنه أسوأ مرحلة مرت بها الشعوب، بينما الحقيقة مختلفة تماما. أجدادنا واجهوا أزمات أشد قسوة بكثير مما نعيشه اليوم، عرفوا الحروب والفقر والجوع وعدم الاستقرار، وعاشوا بعيدا عن سيل يومي من الخوف تبثه الهواتف إلى عقولهم في كل لحظة، وبعيدا عن خوارزميات تغذي القلق واليأس وتحول الإنسان إلى كائن مستنزف نفسيا.
وهنا تكمن القضية الأهم، النهضة تبدأ من العقل أولًا. تبدأ حين يؤمن الإنسان بقدرته على التغيير، وحين يدرك أن القوة النفسية أساس مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية. فالوطن يبنيه أصحاب الإرادة، وينهض به الذين يحولون وعيهم إلى طاقة عمل وإنتاج. بناء الأوطان يبدأ حين يؤمن الشباب بأن لديهم دورا حقيقيا، وأن مستقبلهم تصنعه المعرفة والعمل والإرادة.
في عيد الاستقلال الثمانين، نحن بحاجة إلى نوع اخر من الاستقلال، استقلال يقود إلى الشجاعة، وإلى عقلية النهوض، وإلى وعي يحمي الشباب من الإدمان الرقمي الذي يسرق أعمار الناس بصمت، وإلى إيمان عميق بالمستقبل. نحن بحاجة إلى جيل يرفع رأسه بثقة، جيل يدرك أن هذا الوطن بني بالإرادة، وصنعه أناس امنوا أن الكرامة تنتزع بالعمل، وأن الإرادة أقوى من الظروف.
أنت أردني، وهذه ليست مجرد هوية على الورق، بل مسؤولية ومعنى. ارفع رأسك، وتمسك بالأمل، وامن بأن المستقبل يصنع بالإرادة والعلم والعمل. لأن أعظم ما يمكن أن تكسبه أي أمة هو الإنسان الذي يؤمن بنفسه، وحين يستعيد الإنسان ثقته بنفسه، يبدأ الوطن كله بالنهوض من جديد.