facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن الذي يعرف نفسه… قراءة في خطاب الاستقلال الثمانين


صالح الشرّاب العبادي
25-05-2026 11:29 PM

في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، لم يكن خطاب جلالة عبدالله الثاني مجرد كلمة احتفالية تُلقى في مناسبة وطنية عابرة، بل بدا أقرب إلى وثيقة سياسية ومعنوية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والهوية والتاريخ، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتعرض فيها المنطقة كلها إلى إعادة تشكيل عميقة في الجغرافيا والسياسة والوعي.

فالخطاب الملكي هذه المرة لم يتحدث فقط عن الماضي، بل عن فكرة الأردن نفسها؛ كيف تشكّلت، وكيف صمدت، ولماذا ما زالت قادرة على الاستمرار رغم كل ما جرى ويجري حولها.

حين قال جلالته:
“الأردن يعرف نفسه، ويعرف وجهته، ويعرف خياراته”
فإن هذه العبارة تختصر فلسفة الدولة الأردنية خلال العقود الماضية. فالدول التي تضيع في الأزمات هي تلك التي تفقد تعريفها لنفسها، أو تتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. أما الأردن، فعلى امتداد تاريخه الحديث، حاول دائمًا أن يبقى دولة تعرف حدود دورها، لكنها في الوقت ذاته تعرف قيمة هذا الدور وأهميته.

هذه الجملة تحديدًا تحمل رسالة داخلية وخارجية معًا؛ داخليًا تؤكد ثبات الهوية الوطنية وعدم السماح بحالة التشكيك أو الإرباك التي تضرب مجتمعات كثيرة في المنطقة، وخارجيًا تعلن أن الأردن ليس دولة تُدار بالضغط أو الابتزاز السياسي، بل دولة تملك قرارها وتفهم مصالحها جيدًا.

الخطاب أيضًا أعاد تقديم الأردن بوصفه “دولة صمود” لا “دولة ظرف”. فحين قال الملك:
“صقلته التحديات فزاد بأسًا وثباتًا”
فهو لا يصف مجرد مرحلة سياسية، بل يلخص تجربة وطن بأكمله. فمنذ تأسيس الدولة الأردنية، لم يكن الطريق مفروشًا بالاستقرار الكامل أو الوفرة الاقتصادية أو البيئة الإقليمية الآمنة، بل كانت التحديات هي الحالة الدائمة تقريبًا؛ حروب على الحدود، موجات لجوء، أزمات اقتصادية، اضطرابات إقليمية، ومحاولات مستمرة للضغط والتأثير.

ومع ذلك، بقي الأردن قائمًا، ليس فقط بمؤسساته الأمنية والعسكرية، وإنما بوعي شعبه أيضًا، وبفكرة الدولة التي نجحت في الحفاظ على تماسكها رغم كل الضغوط.

ومن أعمق ما ورد في الخطاب تلك العودة الذكية إلى البعد الحضاري والديني للأردن:
“على ضفة نهره تعمد المسيح، وفي ربوعه عاش الصحابة والتابعون.”

هذه العبارة ليست استدعاءً تاريخيًا عابرًا، بل إعادة تثبيت لموقع الأردن الحضاري والروحي في المنطقة. ففي زمن تتصارع فيه الهويات الضيقة والطائفية والمشاريع المتطرفة، يقدّم الأردن نفسه بوصفه أرضًا للتوازن والاعتدال والتعايش، لا ساحة للكراهية والانقسام.

وهنا تتجلى قوة الخطاب الملكي؛ فهو لم يستخدم لغة الصخب أو الاستعراض، بل لغة الدولة الواثقة بنفسها. لم يكن خطاب خوف من المستقبل، بل خطاب استعداد له. ولهذا جاءت العبارة الأهم ربما:
“ليس الفخر غايتنا، وإنما ترسيخ ثقتنا بهذا الوطن.”

فالأمم لا تبنى فقط بالشعارات، بل بالثقة الجمعية؛ ثقة المواطن بدولته، وثقة الدولة بشعبها، وثقة الجميع بأن هذا الوطن قادر على العبور مهما اشتدت الظروف.

في الذكرى الثمانين للاستقلال، بدا واضحًا أن الرسالة الأساسية للخطاب ليست الاحتفال بما تحقق فقط، بل حماية المعنى العميق للأردن؛ الدولة التي لم تكن يومًا الأغنى في المنطقة، لكنها كانت دائمًا من أكثر الدول قدرة على الثبات والعقلانية والاتزان.

ولهذا، فإن خطاب الاستقلال هذا العام يمكن اعتباره خطاب “مرحلة” لا خطاب “مناسبة”.
خطاب يقول للأردنيين إن وطنهم ما زال واقفًا بثقة وسط عاصفة إقليمية هائلة، ويقول للعالم أيضًا إن الأردن ليس تفصيلًا صغيرًا في المنطقة، بل دولة تعرف نفسها جيدًا… ولذلك بقيت.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :