قراءة استراتيجية في ميثاق الحسينية الملكي
فيصل تايه
26-05-2026 01:53 AM
في ظلال عيد الاستقلال الثمانين، ومن رحاب قصر الحسينية العامر، لم تكن الكلمة الملكية السامية مجرد خطابة تستهلك المناسبة، بل تجلت كـ "وثيقة دولة" عابرة للمراحل، تُمأسس لفلسفة الحكم، وتكشف عن عمق الرؤية واستراتيجية الموقف في زمن إقليمي بالغ التعقيد والتحول، فقد برزت قيمة الخطاب بقدرته الفذة على إعادة تعريف المعنى الوطني، وترسيخ موقع الدولة في وعي شعبها وفي مدارات محيطها.
لقد جاء النطق السامي تعالياً على النمطية الاحتفالية التقليدية، ليرتفع نحو التأصيل الفلسفي لكيان الدولة؛ الدولة التي برهنت العقود أنها تُدار بحصافة العقل لا بجموح الانفعال، وبعبقرية الحكمة لا بارتجال المواقف، وبرصانة الثبات لا بعفوية الاستجابة، فلم يكن الخطاب تلبيةً لتعبئة عاطفية مؤقتة، بل جاء متزناً، محكم اللغة، دقيق الرسائل، يعكس ثقة كينونة سياسية تعرف نفسها جيداً، وتعرف وجهتها، وتعرف خياراتها، وتدرك مآلات مسؤولياتها التاريخية، وتستند إلى شعب أصيل، عتيد، ثابت على مبادئه.
واللافت الأعمق في الخطاب، أن جلالة الملك أعاد تقديم الاستقلال بوصفه "مشروعاً سيادياً مستمراً" لا حدثاً منجزاً ومؤرشفاً في ذمة الماضي؛ فهو حالة ديمومة وكفاح مستمر لحماية القرار الوطني المستقل، وسط بيئة إقليمية تتآكل فيها الكيانات تحت وطأة الفوضى، فحين صدح جلالته بأن الأردن “لم يكن يوماً هامشاً في سرد البشرية”، لم تكن العبارة توصيفاً أدبياً، بقدر ما كانت إعلاناً سياسياً وثقافياً حاسماً؛ يؤكد أن قيمة الدول لا تختزلها المساحات أو الموارد، بل تقاس بقدرتها على إنتاج المعنى السياسي، وتصدير الاستقرار، وفرض الاحترام في محيط متلاطم الأمواج، مكرساً كينونة وطن عروبي الهوى، يعتلي لسانه بأبشر، جواباً سابقاً للطلب، ويقينه بأن أكتاف أبنائه العراض لا تصغر.
كانت كلمة مهيبة الصمت في ظاهرها، بالغة الأثر في مخبرها، صارمة في رسائلها، متشحة بأرفع أدبيات السيادة؛ لترسخ حقيقة أن منعة الأردن لم تكن يوماً برفع الصوت، بل في وضوح البوصلة، ورسوخ القرار، ومهابة المؤسسات، التي حافظت على حدودها وأمنها، وجنبت اقتصادها آثار الأزمات.
لقد حمل الخطاب بعداً أخلاقياً حازماً في ضبط العلاقة العقدية بين الدولة والمجتمع، حين نقل جلالته مفهوم الاستقلال إلى مصاف “الأمانة والعهد والميثاق”، لتتحول الوطنية من شعارات مستهلكة إلى مسؤوليات تاريخية، ويغدو الحفاظ على الدولة واجباً يتسامى فوق الحسابات الضيقة، وميثاقاً يمتد بثقة نحو عقدنا التاسع من الاستقلال، مرتكزاً على عهد يحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول.
لقد جاء خطاب جلالة الملك ليعيد الاعتبار لـ “رجاحة الدولة”؛ تلك الحالة الرفيعة التي تمتلك فيها القيادة عبقرية الموازنة بين الواقعية السياسية والتمسك الصارم بالثوابت الأخلاقية والقومية، والمواجهة بوعي ومسؤولية، إيماناً بأن ما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يهزم ولا يكسر.
ثمانون عاماً من السيادة الناجزة لم تكن، في العرف الملكي، محطة للوقوف عند أطلال الماضي، بل لحظة تأكيد قاطعة بأن الدولة الأردنية ما تزال تمتلك مكنة الاستمرار والتجدد، وهي تمضي واثقة الخطى، مقدامة لا تتردد في ظل شعب أدرك يقيناً معنى أن تكون الدولة "قيمة عليا" فوق كل اعتبار، لذلك لم تكن لغة مناسبة طارئة، بل محكم بيان الدولة، ولا نبرة خطابة عارضة، بل صوت اليقين الراسخ، ولم تكن رسائل لواقعة متكررة، بل محددات لثوابت المسار.
حفظ الله الأردن العظيم طوداً شامخاً وحصناً منيعاً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم عميداً للمسيرة وبانياً للمستقبل، وأدام على هذا الوطن الأشم نعم الاستقرار، والمهابة، والرفعة، والكرامة.