عيد الأضحى .. فلسفة الفداء وعقيدة الوفاء
فيصل تايه
26-05-2026 11:43 PM
يُطل علينا عيد الأضحى المبارك هذا العام، معلناً حضور قيمٍ لا تختزلها مظاهر الفرح، بل تكرّس في الوجدان الإنساني معاني الفداء والامتثال والتضحية في أسمى تجلياتها؛ فهو ليس مجرد مناسبة روزنامية تُعاد، بل هو محطة فكرية وروحية وازنة، تأتي في توقيتٍ دقيق يزدحم بالمتغيرات، وتتداخل فيه المشاعر بين ابتهاج شعائري مشروع، وقلق إنساني ووطني تفرضه إيقاعات الواقعين الجيوسياسي والاقتصادي .
ومن رحم هذه المعادلة الروحية، يبرز الأردن وهو يستقبل بهجة "الأضحى" ليؤكد أنه لا يعيش بمعزل عن سياقه الإقليمي المضطرب، ولا بمنأى عن تحديات اقتصادية تُلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، من كلفة معيشية مرهقة إلى هواجس مستقبلية مشروعة؛ لكنه، وفي خضم هذا كله، يثبت دائماً أنه عصي على الانحناء ، ذلك ان في بنية هذا الكيان الوطني تعاقداً تاريخياً مع الصبر، وإدراكاً جمعياً بأن الأوطان الكبيرة لا تُبنى بالرفاهية المطلقة، وإنما بصياغة الأمل من جمر المعاناة، والعبور الآمن فوق جسور التحديات بثباتٍ واثق لا يتزعزع.
وإذا كانت "الأضحية" في أصلها شعيرة للامتثال، فإن "التضحية" في الأردن قد غدت فعل حياة يسطره الأردنيون بكبرياء صامت؛ حيث لا تقف حدود هذا البذل عند الصبر الاقتصادي فحسب, بل تتعداه لتتجلى في أبهى صور التلاحم والشهامة وقت الشدائد ، فالأردني، بطبعه الأصيل، يشدّ أزر أخيه، وتتكاثف الأيادي البيضاء لتمسح غبار الحاجة بروح الستر والتكافل، مما يحول البيئة الاجتماعية إلى خط دفاع أول، وجبهة داخلية تفيض بالتماسك الذي يُطمئن الوجدان ويصون كرامة العيش.
وعلى امتداد خطوط هذا البذل الاجتماعي، وفي ذات الصبيحة المباركة التي ترتفع فيها التكبيرات المجلجلة لتملأ الفضاء بنبرة اليقين، لا يمكن للذاكرة الوطنية إلا أن تنحني إجلالاً وإكباراً لشهداء الواجب الأبرار من أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة؛ أولئك الأشاوس الذين قدموا الأضحية الأسمى—أرواحهم الطاهرة—ذوداً عن حياض هذا المجتمع في معارك الشرف ضد قوى الظلام وآفات السموم والمخدرات ، فاستذكارهم في هذا اليوم ليس بكائية للحزن، بل هو إعلان سيادي متجدد بأن أمن الاستقرار الذي ننعم به خلف أبوابنا المغلقة، قد صين بدمٍ زكّي وغالٍ، بذله أبطالٌ صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه.
هذا الوعي الأردني الناضج بتكلفة الاستقرار الداخلي، لا ينفصل بحال من الأحوال عن عمقه القومي وهويته العروبية الراسخة؛ ففرحة الأضحى في قلوبنا تبقى منقوصة ما لم تلتفت العيون والقلوب نحو أهلنا الصامدين في فلسطين، ونحو كل الأشقاء في العروبة الذين يمرون بمحن قاسية وظروف بالغة التعقيد والوجع ، وإننا في الأردن، وإذ نتقاسم معهم الدعاء والرجاء، نؤكد أن مواقفنا تجاه قضايا أمتنا لم تكن يوماً ترفاً خطابياً، بل هي ثبات على المبدأ، وإيمان بوحدة المصير، ومساندة تاريخية لا تلين، يمليها الواجب ويحرسها الضمير.
وهكذا، بين جلال الشعيرة وثقل الواقع، يكتب الأردن قصة عيده بصيغة واقعية رصينة؛ تجمع بين حقيقة التحدي وقوة الأمل، وتوازن بين ثقل الأرض وبشائر السماء ، إنه عيد يشبه هذا الشعب العظيم في عمقه وقاره، وفي قدرته الفذة على الحفاظ على توازنه وسط أمواج إقليمية متلاطمة.
اللهم احفظ الأردن عزيزاً شامخاً للأردنيين، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وطناً لا ينحني للعواصف، وقلباً ينبض بالخير، ومنارة أمل واستقرار تبقى قائمة ، مهما اشتد الزمن، واجعل قادم أيامه أماناً وسكينة وفرحاً ممتداً.
اللهم آمين