المناهجُ الدراسيةُ بينَ التطويرِ التربويِّ وبناءِ الشخصيةِ الوطنية
د. مروان جميل
28-05-2026 05:36 PM
في زمنٍ أصبحت فيهِ المناهجُ الدراسيةُ حجرَ الأساسِ في بناءِ الوعيِ الوطنيِّ وصناعةِ المستقبل، يغدو الحديثُ عنها مسؤوليةً علميةً ووطنيةً تتطلبُ قراءةً متزنةً تُنصفُ الجهودَ المبذولة، وتفتحُ في الوقتِ ذاتهِ بابَ التطويرِ والتحديثِ المستمر.
إنَّ النقاشَ حول المناهجِ الدراسية يُعدُّ مؤشرًا صحيًا على أهميةِ التعليمِ بوصفه مشروعًا وطنيًا يرتبطُ ببناءِ الإنسانِ وتشكيلِ الوعي. ومن هذا المنطلق، فإنَّ تقييمَ المناهج ينبغي أن يستندَ إلى معاييرَ علميةٍ وتربويةٍ دقيقة، تنظرُ إلى جودةِ المحتوى وأثرِه في بناءِ شخصيةِ المتعلّم، لا إلى عددِ الصفحاتِ بمعزلٍ عن أهدافِها التعليمية.
ومن الناحيةِ التربوية، فإنَّ وجودَ أنشطةٍ داعمة، وتطبيقاتٍ متنوعة، وأمثلةٍ توضيحية داخلَ الكتاب المدرسي، لا يُمكنُ اعتباره بالضرورة “حشوًا”، بل قد يكونُ جزءًا من فلسفةٍ تعليميةٍ حديثة تهدفُ إلى تعزيزِ مهاراتِ التفكير، وتنميةِ الفهمِ العميق، ومراعاةِ الفروقِ الفردية بين الطلبة.
ومن منظورٍ تربويٍّ حديث، فإنَّ تنوّعَ المحتوى داخلَ المناهج ينسجمُ مع استراتيجياتٍ تعليميةٍ عالمية مثل Differentiated Instruction، التي تقومُ على مراعاةِ الفروقِ الفرديةِ بين المتعلمين، بعيدًا عن مفهوم One-Size-Fits-All Mentality أو “العقلية التقليدية ذات المقاس الواحد للجميع”، التي لم تعد منسجمةً مع متطلباتِ التعليمِ الحديث واحتياجاتِ الطلبة المتنوعة.
وتشيرُ الأدبياتُ التربويةُ الحديثة إلى أنَّ التعليمَ المتمايز يقومُ على تقديمِ خبراتٍ تعليميةٍ متنوعة تراعي اختلافَ مستوياتِ الطلبة واهتماماتِهم وأنماطِ تعلّمهم، بما يُعززُ الفهمَ العميقَ وفرصَ التعلّمِ الفاعل.
ومن هنا، فإنَّ تنوّعَ الأنشطةِ والأمثلةِ والتطبيقاتِ داخلَ الكتابِ المدرسي لا يرتبطُ بالضرورةِ بعددِ الصفحات، ولا يمكنُ النظرُ إليه بوصفِه حشوًا بصورةٍ مطلقة، بل قد يكونُ جزءًا من تصميمٍ تربويٍّ مقصود، يهدفُ إلى تعزيزِ الفهمِ العميق، وتوفيرِ فرصِ تعلّمٍ متعددة، وتنميةِ مهاراتِ التفكيرِ والتحليل لدى مختلفِ أنماطِ المتعلمين.
وتواصلُ وزارةُ التربيةِ والتعليم، بالتعاونِ مع المركزِ الوطنيِّ لتطويرِ المناهج، جهودَها الدؤوبةَ في مراجعةِ المناهجِ وتطويرِها بصورةٍ مستمرة، بما ينسجمُ مع المعاييرِ التربويةِ الحديثة، ويُعززُ بناءَ شخصيةٍ وطنيةٍ واعية، معتزّةٍ بهويتها، وقادرةٍ على التفاعلِ مع متطلباتِ العصر ومهاراتِ المستقبل.
وتسعى المناهجُ الدراسيةُ الحديثةُ في الأردن إلى تحقيقِ توازنٍ بين الأصالةِ والمعاصرة، من خلالِ التركيزِ على بناءِ الشخصيةِ الوطنية، وتعزيزِ قيمِ الانتماءِ والوعيِ والمسؤولية، إلى جانبِ تنميةِ المهاراتِ المستقبليةِ المرتبطةِ بالتفكيرِ والإبداعِ والتكنولوجيا والتعلّمِ المستدام.
وتأتي هذه التوجهاتُ انسجامًا مع التحولاتِ المتسارعةِ في النظمِ التعليميةِ الحديثة، التي لم تعد تقتصرُ على نقلِ المعرفة، بل أصبحت تُعنى بإعدادِ المتعلّمِ القادرِ على التفاعلِ مع تحدياتِ العصر ومتغيراتِه.
إنَّ تطويرَ المناهجِ عمليةٌ تراكميةٌ مستمرة، تخضعُ للمراجعةِ والتقويمِ والتحديث، وهو أمرٌ طبيعيٌّ في جميعِ الأنظمةِ التعليميةِ المتقدمة. لذلك، فإنَّ الحوارَ التربويَّ البنّاء يبقى ضرورةً مهمة، شريطةَ أن يستندَ إلى القراءةِ العلميةِ المتوازنة، بما يُسهمُ في تعزيزِ جودةِ التعليمِ ودعمِ الجهودِ الوطنيةِ الراميةِ إلى إعدادِ جيلٍ يمتلكُ المعرفةَ والمهارةَ والوعيَ الوطني.
المصدر:
Desinguraj & Gnanam, Differentiated Instruction in Education, 2021.
* دكتوراة في المناهجِ وطرائقِ التدريس