البترا .. سيمفونية الحياة وصوت السلام في وجه طيور الظلام
فراس الور
31-05-2026 02:42 PM
البترا رسالة تركوها لنا اجدادنا ليقولوا لنا أنْ هنا كانت حضارة عظيمة وجبارة، هي لغة ابداع يخاطبنا بها اجدادنا عن ما استطاعوا انجازه بادوات شبه بدائية وبارادتهم وعزمهم على تطويع وترويض الطبيعة لخدمتهم، البترا ليست صخر... وحجر... واعمدة... واثار محفورة في صخر فقط... هي قلب هويتنا الوطنية النابض بتاريخنا العريق كأردنيين، هي كينونتنا التي نستمد منها جزءا كبيرا من تاريخنا وارثنا و ماضِ أبى الا و ان يبقى معنا بجلال عظمته... تاج على رأس زمن تَكَسًرَ تحت وطأة ارادة الإنجاز والبنيان والعزيمة.. حينما تدخل بالسيق تشعر وكأنك دخلت بآلة زمن تعود بك الى آلأف السنين لتأخذك الى عصر يشبه الحجر ولكن لكتشتف رويدا رويدا كلما اقتربت من قلب المدينة انه كان ينبض بالحياة وعنفوانها، وبزمن حكمت به البترا جزءا من منطقتنا العربية بهيبة لا مثيل لها.. الى زمن كانت لها كلمتها.. الى زمن كانت هذه المدينة الوردية عاصمة المملكة النبطية التي كانت تضج بالحياة وبنبض البشر الذين عاشوا بها.. بالفنادق للسياح.. بالأسواق للتجارة.. بملوك حكموا ونظموا امورها.. حينما تزورها وتسير بين اروقتها الوردية واذا اصغيت جيدا أَلَعَلكَ الى الآن تستطيع سماع اصداء من كانوا يسيرون بشوارعها ويتسامرون بين بيوتها وجبالها الشامخة، ربما وانت تنظر الى الخزنة التي تحدت الزمن والعواصف والرياح العاتية عبر مئات السنين لتبقى سامقة رفيعة المقام تستقبل الزوار منذ آلأف السنين الى الآن تستطيع سماع اصداء المدعوين لحفل عُرسٍ وهم يغنون الأغاني الطربية الجميلة احتفالا بعروسين قرروا الإرتباط، وربما كان هنالك في امسية من الأمسيات حفل لِنَصْرٍ حققه جيش من جيوش هذه المملكة النبطية فاستقبلوا الجند الأهالي بالرقص واهازيج الطرب والغناء وبالليالي المِلاحْ، او كان بليلة من الليالي مهرجان ديني تخللته الموسيقى والطرب والعزف على آلآت القيثارة والناي والطبول، فكان اهالي تلك المدينة معروفين بميولهم الى البهجة والسرور والموسيقى والفنون، ألم تقرأوا تاريخ تلك المدينة العريق؟
منذ فجر التاريخ كانت البترا عاصمة المملكة النبطية ملتقى للحضارات والإبداع سواء كتحفة معمارية حيث الهندسة التي بها فن من الفنون الإنسانية، او بالأرث والتاريخ الدسم الذي تركوه اهلها ليخبروا عن كيانها واهميتها بين المدن العتيقة وعن هويتهم الحضارية، وبقيت كالجوهرة الوضاءة وسط الرمال القاحلة الى ان اصبحت برعاية هاشمية قِبْلَة سياحية لعشاق الاثار وللزائرين الى مملكتنا الحبيبة، بل اضحت محطة رئيسية تخبر الزائرين ان للاردن عاصمتين، واحدة اثرية تشكل جذور وجداننا الثقافي وتحدد معالم لهوية وطنية تراثية نفيسة.. وواحدة حديثة تشكل قلبه النباض بالحياة وهي عمان الحبيبة والغالية، فهل رايت بلد بعاصمتين؟ هل رأيت بلد يغالي بإرثه كالأردن؟ البترا عنوان لهوية وطنية تقول لكل من زار مملكتنا ان الإبداع والفنون جزء لا يتجزأ من تاريخ بلادنا الهاشمية الحبيبة، فأجدادنا تركوا لنا مدينة بأكملها نبضت بالحياة الإنسانية وبالمسويقى وبالفنون بأنواعها، وحيث اصبحت بوابة الأردن الحية نحو عالم السياحة المعاصر،
و اليوم، والأردن يخرج مكافحاً صامداً من أتون الأزمات الإقليمية كبترائه التي تحدت عوامل الطبيعة الكاسرة لتبقى على قيد الحياة، يأتي صوت الموسيقى والسلام من قلب "المدينة الوردية" ليعلن للعالم أجمع أن هذا الوطن عصيٌّ على الانكسار، وأن نبض الحياة فيه لن يتوقف.
لقد شهدت البتراء قبل يومين حدثاً سياحياً وثقافياً ومنارة فنية حملت رسالة سلام موسيقية راقية، هدفت بالدرجة الأولى إلى إعادة الروح لقطاعنا السياحي الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد الوطني. ومع ذلك، وكعادتهم عند كل مُنْجَزْ، خرجت علينا طغمة من أصحاب الفكر الضيق والمنغلق، لتمارس هوايتها المفضلة في التخوين واغتيال الإنجاز، مُطْلِقَة اتهامات باطلة شرعاً وقانوناً، تصف حفلاً موسيقياً سلمياً حضارياً بأوصاف "المجون والإنحدار الأخلاقي"، لمجرد أن الحاضرين كانوا يحملون أكواباً بأيديهم! ويرقصون على انغام الموسيقى، إنها النظرة السطحية البائسة التي تترك جوهر الحدث ورسالته العالمية، وتفتش في النوايا لتصنع من الوهم خطيئة، متناسية أن الحفل جرى تحت عين وبصر وإشراف الدولة الأردنية ومؤسساتها الأمنية والرسمية المشهود لها بالحرص على قيم المجتمع وعاداته الأصيلة.
إن هذا الحفل لم يكن مجرد ترفيه، بل كان خطوة استراتيجية جريئة وعميقة لدعم قطاع حيوي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. كيف لا، والدولة الأردنية تقاتل في الخنادق الاقتصادية لحماية أرزاق مواطنيها، خاصة بعد الركود الحاد والظروف القاسية التي عصفت بالمنطقة إبان الحرب الأخيرة على إيران؟ إن لغة الأرقام لا تجامل ولا تحتمل المزاودات؛ فقد تسبب هذا الركود الإقليمي بإغلاق أكثر من 30 فندقاً في البترا والمملكة، وتسريح مئات العائلات والشباب الأردنيين الذين باتت لقمة عيشهم مهددة في ظل قطاع فندقي وسياحي منهار.
أمام هذا الواقع المرير، أليس من حق الدولة الأردنية، بل ومن واجبها الدستوري والوطني، أن تستثمر في عظمتها التاريخية؟ أليس من حقها أن تستغل البترا كمورد سياحي فريد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وجذب الأنظار العالمية للأردن كواحة للأمن والأمان والسلام؟ إن إقامة فعاليات عالمية محترمة ومنظمة تنظيماً راقياً لا يخدش الحياء العام، ولا يمس سمعة الأردن والبترا بشيء، بل على العكس؛ إنه يقدم للعالم الصورة الأنقى للأردن الحديث: وطنٌ يجمع بين عراقة التاريخ وانفتاح المستقبل، وطنٌ يرفض أن يموت اقتصادياً ليرضي أصحاب الفكر الظلامي.
إن من يرى الفجور في كل تجمع فني، والخطيئة في كل مظهر فرح، يعاني في الحقيقة من أزمة فكرية داخلية عاجزة عن استيعاب مفاهيم الاستثمار والترويج السياحي الحديث. فالبترا بريئة من هذه النظرات الضيقة، والأردن الذي بني بسواعد أهله الأوفياء سيبقى يرى في السياحة رسالة ثقافة وتنمية، وفي الموسيقى لغة إنسانية تجمع ولا تفرق.
ستبقى الدولة الأردنية قوية بحكمتها وقرارها السيادي، وسيبقى القطاع السياحي والفندقي مدعوماً برؤية رسمية شجاعة، وستظل أصوات الفرح والسلام في البترا أعلى وأقوى من طيور الظلام التي لا تقوى على العيش إلا في عتمة الكراهية والتخوين. حفظ الله الأردن، واحة للجمال، ومنارة للحياة، وموطناً عصياً على الانكسار وواحة امن واستقرار،