الوطن ليس أغنيةً لمطرب يبحث عن تصفيق ولا قرصةً لطبّال يثير الجلبة حوله ليُقال إنه حاضر وليس سلّمًا لوصوليٍّ يتسلّق أكتاف الناس حتى يبلغ موقعًا أو منصبًا ثم ينسى الطريق الذي أوصله
الوطن ليس مسرحًا للمنافقين ولا سوقًا للمزايدات ولا لافتةً يرفعها المادحون عند أبواب أصحاب النفوذ فكم من شخصٍ أتقن فنّ التملّق حتى ظنّ نفسه وطنيًا وكم من متسلّقٍ لبس ثوب الغيرة على الوطن بينما جيوبه ممتلئة بالمصالح ووجهه ملوّن بحسب الجهات والمكاسب
الوطن أكبر من كل هؤلاء وأكبر من مهرجانات الكلام وحفلات التصفيق المصنوعة وأكبر من أولئك الذين يتقنون الانحناء لكل صاحب سلطة ثم يتحدثون عن الكرامة والشرف أمام الناس
الوطن دعوةُ الأمهات حين يرفعن الأكفَّ إلى السماء خوفًا على الأبناء وبسمةُ الصادقين الذين أحبّوه بلا مصلحةٍ ولا ادّعاء وعرقُ جبين العاملين الذين يبنون الحياة حجرًا فوق حجرٍ بصبرٍ وشقاء
الوطن مستقبلُ الحالمين الذين يرون في الغد نورًا رغم التعب وكرامةُ الفقراء الذين قد لا يملكون المال لكنهم يملكون الشرف والانتماء وهو تعبُ الجندي على الحدود وصبرُ المعلّم في الصفوف ودعاءُ الآباء بأن يبقى هذا الوطن آمنًا عزيزًا لا تنحني هاماته للعواصف
أما أولئك الذين جعلوا الوطن وسيلةً للشهرة أو التجارة أو الوصول السريع فسيبقون عابرين مهما علت أصواتهم لأن الوطن لا يحفظ أسماء المتملقين طويلًا بل يحفظ أصحاب المواقف الصادقة والوجوه التي بقيت نظيفة حتى آخر الطريق
فالأوطان لا تبنى بالمطبلين ولا بالمصفقين ولا بأصحاب الوجوه المتعددة بل تبنى بالشرفاء الذين إذا أحبوا الوطن أحبوه بصمت وإذا خدموه خدموه بإخلاص وإذا اختلفوا بقي الوطن في أعينهم أكبر من الجميع
وسيظل الوطن وطنًا ما بقيت فيه أمٌّ تدعو وعاملٌ يكدح وشابٌّ يحلم ورجلٌ شريف يرفض أن يبيع ضميره مهما كانت الإغراءات فهؤلاء وحدهم من يصنعون مجد الأوطان ويحفظون هيبتها وكرامتها عبر الزمن.