facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هيبة الدولة الأردنية وحدود الخطاب النخبوي


فيصل تايه
02-06-2026 10:21 AM

​في فقه الدول الراسخة وأدبيات استقرارها الفكري، تُمثل "هيبة الكيان وسرديته التاريخية" خطوطاً حمراء لا تقبل التبسيط، ولا تُترك رهناً للمقاربات الارتجالية العابرة؛ فالدول التي عَبرت بوعيها ومنعتها أعتى الأزمات الجيوسياسية، كالدولة الأردنية، تدرك أن تاريخها وحدودها ورموزها السيادية هي حصون منيعة، وأن تناولها يتطلب وقاراً يليق بحجم التضحيات التي بذلها الآباء والأجداد لتثبيت هذا الكيان وسط إقليم عاصف.

​ومن هنا، فإن أي هفوة لفظية أو اجتزاء لتاريخنا بفرضيات مارة في توقيت حرج، هو مسار يجانب الحصافة ويستدعي بالضرورة عتباً وطنياً مشروعاً وغيرة مبررة على رواية الوطن المستقرة ، فمع إدراكنا التام بأن بعض الطروحات النخبوية قد تنطلق من مقاصد تحليلية تتناول عبث "المستعمر" وإجحافه التاريخي بحق حدودنا وثرواتنا، إلا أن رصانة رجالات الدولة تُقاس بمقدار حصافة التعبير واختيار الكلمات؛ فالكبار حين يفككون التاريخ، يدركون أن المفردات المرتجلة قد تبتلع المقاصد الذكية وتتركها رهناً لتأويلات لا تخدم الحقيقة ولا الدولة.

​غير أن جوهر المسألة لا يكمن في العثرة ذاتها بقدر ما يكمن في الكيفية التي يُدار بها النقاش حولها؛ فهنالك يتجلى الفارق بين منطق الدولة ومنطق الارتجال ، فمقتضيات الحصافة الوطنية والترفع عن المناكفات والوعي برصانة الكيان، تفرض التسامي في التعاطي مع هذه العثرات وتوجيه هذا العتب؛ فالدولة الأردنية بمؤسساتها الدستورية، وقضائها الراسخ، ونظامها الصارم ، هي وحدها صاحبة الولاية الشرعية والقانونية في المساءلة والمحاسبة؛ فمن يسيء لتاريخ هذا البلد أو يمس برمزية بناءاته التأسيسية، يواجه بقوة القانون والمؤسسات، دون الحاجة لوساطات أو منابر صاخبة.

​وإذا كانت الدولة وحدها صاحبة الولاية في المساءلة والحسم، فإن مسؤولية النخب لا تكمن في الحلول محل المؤسسات، بل في الارتقاء بالنقاش العام وصيانته من الانفعال ، ومن هنا، فإن بعض القامات الفكرية والنخب الوطنية، الذين يندفعون بحسهم الوطني الصادق للذود عن حمى التاريخ، هم في حقيقة الأمر أرفع وأجلّ، وأسمى قدراً، من أن يُزجّوا بأنفسهم في أتون نقاشات منصاتية تضيق فيها العبارات وتتسع فيها التأويلات.

​إن دور النخب الحقيقية يتجاوز الانخراط في سجالات رقمية قد تُستغل—دون قصد—لتنصيب أبواق شعبوية تضع نفسها بمقام "محاكم تفتيش" تبتز العواطف الوطنية، وتسعى لخلط الأوراق لغايات لا تخدم أحداً، وتتطاول على هيبة الدولة واحتكارها لإنفاذ القانون.

​ولعل أخطر ما تُنتجه هذه المناخات الشعبوية أنها لا تكتفي بتشويه النقاش، بل تمتد آثارها إلى المساس بأعمدة التماسك الاجتماعي ذاتها؛ فمواجهة التعبير غير الموفق أو الآراء التي خانها التوقيت، لا يمكن أن تكون عبر ارتداد نحو خطابات فرز مجتمعي بغيضة، أو نبش في الهويات الفرعية والمنابت، فهذا السلوك الإقصائي ينقلب على المقصد الوطني ذاته ، فالأردنيون جميعاً متساوون في الكرامة، ورصانة الرد تقتضي تفكيك الفكرة ومناقشتها بعقلانية، لا الانحدار نحو التشكيك أو التحريض.

​إن الأوطان لا تُحمى بالصخب الإعلامي من خلال فرز المجتمع عبر عثرة لسان هنا أو سياق غير موفق هناك؛ فالأردن بُني على عصب اجتماعي متين، تلاحمت فيه الشرايين وتداخلت فيه المصاهر؛ فنحن مجتمع الأخوال والأعمام، والدم الواحد الذي جرى في عروق هذه الأرض وتخضب به ترابها.

​هذا النسيج الوجداني العصي على التفكيك هو صمام الأمان؛ ولا يمكن لمن يقرأ تاريخ الأردن أو يتحدث فيه إلا أن يكون حافظاً لدرسه عن ظهر قلب، مدركاً أن هذه السردية الأردنية تاريخ راسخ ضارب بجذوره في عمق الأرض، كتبه رجالات هذا الوطن بالجهد والدم، وليس مجرد سيناريوهات قابلة للنقاش العابر.

​وفي هذا التوقيت الجيوسياسي الحرج والإقليم العاصف الذي يفرض على الأردن مواجهة تحديات مصيرية، يصبح لزاماً على النخب إدراك حكمة التوقيت؛ فكل سجال يُفتح على هوامش المصطلحات، وكل تجييش مضاد يستهدف اللحمة الوطنية، يمثل ثغرة مجانية نفتحها في جدارنا الداخلي في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى رص الصفوف وتمتين الجبهة الداخلية.

​وهنا لا بد من العودة إلى أصل الحكاية وثوابت الدولة؛ فالقيادة الهاشمية الحكيمة، ورسالتها العروبية والإنسانية الخالدة، لم تكن يوماً طارئة على المشهد، بل هي المبتدأ والأساس منذ فجر التكوين الأول للدولة الأردنية، والصخرة الوجودية وصمام الأمان المطلق لحماية هذا التلاحم الفريد؛ فمؤسسة العرش، بحرصها الأبوي المعهود وعمقها التاريخي والشرعي على أبناء الشعب الواحد، كانت وستبقى الحاضنة لكل مكونات النسيج الوطني دون تمييز أو إقصاء.

​إن الانزلاق نحو سجال تشكيكي في ثوابت المجتمع وأصول مكوناته هو المغامرة الأشد خطورة على السلم المجتمعي، وهو ما لن يسمح به عقل الدولة ومؤسساتها، ولن ترتضيه المرجعية العليا التي حرصت دائماً على تعميق قيم العدالة والمواطنة الحقة والتعاضد الإنساني بين أبناء الأسرة الأردنية الواحدة الكبيرة.

​وإذا كانت هذه هي البوصلة التي قامت عليها الدولة واستقرت بها، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق النخب الفكرية ورجال الدولة في إعادة توجيه الخطاب العام نحو مسارات أكثر اتزاناً وعمقاً ، فاحترام هيبة الأردن يعني الإيمان المطلق بمؤسساته وقضائه، والالتفاف خلف قيادته الهاشمية، كمرجعية جامعة كفيلة بصون الثوابت وحماية الجبهة الداخلية، وترسيخ وحدة الشعب الأردني بوصفها الحصن الأخير في مواجهة كل محاولات الاختراق والتأزيم.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :