السيد بروكرستيس
لا أدري أأخاطبك بعزيزي أم عدوي، ولا أدري أاخاطبك أم أخاطب روحك، وسواءً أكنتَ حقيقةً أم أسطورة، فإني أبلغك أني قد رأيتُكَ في نومي متكدرا حزينا، لا لأن ثيسيوس ملك أثينا قد هزمك، وسريرك المعدني الذي استدفأ بأجساد المرتحلين في الطريق المقدس ما بين أثينا وإيلوسيس قد أضحى صدئا هالكا لا لهول ما رأى واختبر. كنتَ قد نَصَبْتَ لافتةً على جانب الطريق المقدس تدعو المرتحلين لإقامةٍ طيبةٍ عندك، وكانوا من أهوال الارتحال في صيفٍ جافٍ أو شتاءٍ بليد يأوون بيتك آملين شربة ماء أو كسرة خبز. آسَفُ عليهم كل الأسف، إذ أنهم ما أن انتحوا بأجسادهم المتعبة إلى السرير حتى يؤذيك منظر استطالة السرير عن أجسادهم أو استطالة الأجساد عن السرير، فسرعان ما تنطلق إلى الجسد فتمده مدا حتى وإن تقطع، وإن زاد الجسد في الطول عن السرير بترت ما تدلى عن أطراف السرير.
بدوتَ مضيافا كريما وسط قدسية تلك الطريق، وهيهات هيهات أن يعلم بأمرك أي مرتحل، وما كان من الملك ثيسيوس إلا أن هزمك وعاقبك بمثل ما كنتَ تُنْزِل بالمرتحلين. أنبئك بروكرستيس أنني وجدتُ نظيرا لما كنتَ تفعل بضيوفك وكذلك مصيرا كمصيرك.
أراسلُكَ من جانب الكون في بلاد جميلة، وسجنبك وصفَ ما يجري من حولها من حروب وصراعات وأكتفي أن أحادثك عن ذلك النظير. كنتُ طفلا ضَعُفَ عليه البصر حتى انتفى، وما كان من حولنا من مدارس فيها ما يعين من هو مثلي لينهل علما أو ليضبط مسلكا، فما كان الحال إلا أن انتقلت لمؤسسة إيوائية ولسنوات ست. ولا أصفها بالعجاف، بل هي مريرةٌ انتزعت منا الطفولة وكل شيء. لم نعهد فيها ألعابا أو لهوا صادقا، ولم نعهد عطفا أو تَلَطُّفا، وعاش فينا آلام مقامنا في تلك المدرسة حتى تسلل الشيب إلى شعر الجبهة، فتبا للإيواء وتبا لك بروكستيس ولسريرك.
كنا مرتحلين من جنوبٍ وشمالٍ إلى تلك المدرسة، وكنا نأمل كل الأمل أن نلقى فيها حنوا وأمانا، وكنا ما أن أُغْلِقَتْ البوابة الحديدية البغيضة علينا واختفى ظلُ الأب حتى نستقر في المدرسة نأمل راحةً بعد سفر. وما هي إلى دقائق حتى تَطُلُّ علينا مآثم الإيواء في المدرسة، فتسلبنا كل شيء حتى ما ائتمنه الأهل عند المشرفات لنا من مال أو مأكل.
كان اللهو محظورا في صورته المتقدمة، كانت الأرضيات وعرةً خشنةً عصيةً، كان الماء حارا صيفا باردا شتاءً، كنا أطفالا ولسنا بأطفال، فطوبى لثيسيوس وتبا للإيواء في كل صوره وتبا لك بروكرستيس ولسريرك أمد الدهر.
حلت علينا رياح التغيير، كانت كهزيمة ثيسيوس الملك لك بروكرستيس، وها نحن نلقي بالإيواء وسط البحر غير مأسوف عليه أبدا في بلادنا الجميلة.
هذا ما ودتُ إبلاغك أو إبلاغ روحك به، ولا سلام.
كانت هذه رسالتي إلى شخص أسطوري مُتَخَيَّل، نُسِبَ له أنه كان يستضيف المارين ليلا، وكان مولعا بالمثالية، حتى أنه كان يأبى أن يطول جسد الضيف أو يقصر عن سرير الضيافة، فإما أن يبتر أو أن يسحب جسد الضيف وإن تقطع. وقد أضحى منهجا فلسفيا في العلوم الإنسانية يُرجَع له بالمنهج البروكرستسي، حيث يعتقد من يؤمن به أن المثالية هي قيمة مطلقة لا تعترف بالظروف والعوائق وغيرها.
قاربنا في الأردن على هجران سياسة الإيواء، وهي سياسة كنتُ ممن عاصروها في أوائل تسعينات القرن المنصرم. وممن عاصرها معي لا أكاد أجد من أورثته حنينا لعهدها. فلا إيواء سوى ذلك الذي يكون وسط الأُسَر، وبتوفير آلية آليات داعمة لا تقتصر على الإمداد بالمال أو المؤونة، وإنما هي هيكلية ممتدة متشعبة رصينة يقودها المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن، وهو في ذلك نظير ثيسيوس الملك الأثيني الذي هزم بروكرستيس الإيوائي.
كلنا أمل غير منقطع بأن تنطوي صفحة الإيواء كليا حتى ننطلق إلى بروكرستيس آخر، فميدان العمل الحقوقي المتعلق بالإعاقة ميدان ممتلئ بما يجب فعله مأسسةً أو تحسينا أو إحلال.
* ناشط حقوقي وأستاذ مشارك في دراسات الترجمة في جامعة مؤتة، خبير تقنيات مساعدة في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة