من الحسيني والنشاشيبي إلى أزمة الشرعية الفلسطينية اليوم
سمير حمدان - بودابست
04-06-2026 05:35 PM
* كيف يتحول الانقسام من أزمة مؤقتة إلى نظام حكم دائم؟
في تاريخ الشعوب، لا تأتي أخطر الهزائم دائماً من الخارج، بل من اللحظة التي تعجز فيها النخب السياسية عن بناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف وتجديد الشرعية، فالقضية الفلسطينية التي صمدت أمام الاحتلال والحروب والتهجير ومحاولات التصفية المتكررة تواجه اليوم تحدياً يتجاوز الصراع مع إسرائيل إلى سؤال يتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وهل ما زال قادراً على تمثيل المجتمع وتجديد قياداته ومؤسساته في ظل احتلال يضيّق هامش الفعل، لكنه لا يلغي مسؤولية البناء والإصلاح .
حين يعود المؤرخون إلى ثلاثينيات القرن الماضي، لا يتوقفون فقط عند الانتداب البريطاني أو المشروع الصهيوني الصاعد، بل عند الانقسام بين الحسينيين والنشاشيبيين، لم يكن ذلك مجرد تنافس بين عائلتين نافذتين، بل تعبيراً عن ضعف البنية المؤسسية وصعود الولاءات الشخصية على حساب العمل الوطني المنظم، وبينما استنزفت النخب الفلسطينية جزءاً مهماً من طاقتها في الصراعات الداخلية، كانت الحركة الصهيونية تبني مؤسسات اقتصادية وتعليمية وإدارية وعسكرية أصبحت لاحقاً أساس مشروعها السياسي، ولم تكن المشكلة في عدالة القضية الفلسطينية، بل في غياب المؤسسات القادرة على تحويل هذه العدالة إلى قوة سياسية مستدامة، ولم تكن هذه الانقسامات العامل الوحيد في مسار الأحداث، فقد لعبت سياسات الانتداب البريطاني واختلال موازين القوة وعوامل خارجية أخرى دوراً مؤثراً أيضاً، لكن ضعف المؤسسات الوطنية حدّ من قدرة الفلسطينيين على مواجهة تلك التحديات بصورة أكثر فاعلية .
بعد ما يقارب قرن تبدو الأسماء مختلفة، لكن جوهر الأزمة يكاد يكون واحداً، فالانقسام بين فتح وحماس لم يعد خلافاً سياسياً عابراً، بل تحول إلى واقع أعاد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، وخلال سنوات طويلة نشأت مراكز نفوذ وشبكات مصالح اقتصادية وإدارية تكيفت مع هذا الواقع واستفادت منه، وهنا تكمن الخطورة، لأن الأزمة لم تعد قائمة رغم النظام السياسي، بل أصبحت جزءاً من آلية عمله، والأدق أن الانقسام تحول إلى اقتصاد سياسي قائم بذاته، تجني منه قوى متعددة امتيازات السلطة والنفوذ، بينما يدفع المجتمع كلفة الجمود السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية .
لكن جوهر المأزق الفلسطيني لا يكمن في الانقسام وحده، بل في تعثر الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات، فحركات التحرر الوطني تستطيع أن تؤسس شرعيتها عبر المقاومة والتمثيل الوطني، لكنها لا تستطيع إدارة مجتمع معقد لعقود طويلة من دون انتخابات منتظمة وآليات للمحاسبة وتداول السلطة، وعندما يتعطل هذا الانتقال تتسع الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وتتحول الشرعية التاريخية من مصدر قوة إلى بديل عن التجديد السياسي، وتصبح الإنجازات السابقة مبرراً للاستمرار أكثر مما تصبح قاعدة لبناء المستقبل .
وقد تعمقت هذه الأزمة مع قيام السلطة الفلسطينية، حيث تركز جزء متزايد من القرار السياسي والمالي داخل دوائر محدودة، بينما تراجع دور المؤسسات التمثيلية تدريجياً، وعندما يضعف التوازن بين السلطة والمؤسسات تصبح عملية التجديد أكثر صعوبة، وتتحول إدارة الواقع القائم إلى هدف بحد ذاته بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق المشروع الوطني .
ومع مرور الوقت تجمدت عملية إنتاج القيادات الجديدة، فالمجتمع الفلسطيني اليوم أكثر شباباً وتعليماً وانفتاحاً من أي وقت مضى، بينما لا تزال البنية السياسية عاجزة عن استيعاب هذا التحول، وعندما تُغلق قنوات التجديد الطبيعي، يصبح احتكار القرار أكثر رسوخاً، وتتسع المسافة بين المجتمع ومؤسساته، الأمر الذي يضعف الثقة العامة ويحد من قدرة النظام السياسي على تجديد شرعيته .
ولهذا لم يعد الانقسام مجرد خلاف بين مشروعين سياسيين، بل أصبح بيئة تولدت داخلها مصالح واسعة يصعب على أصحابها التخلي عنها، فهناك فئات راكمت نفوذاً سياسياً واقتصادياً في ظل الواقع القائم، الأمر الذي جعل كلفة إنهاء الانقسام أعلى من كلفة استمراره لدى بعض الأطراف، وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذه البنية أصبحت قادرة على إعادة إنتاج نفسها ما دامت الحوافز التي تغذيها قائمة .
وتبرز هنا أزمة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها أحد أهم التحديات الوطنية، فالمنظمة التي نجحت تاريخياً في توحيد الفلسطينيين وتمثيلهم تحتاج اليوم إلى تجديد مؤسساتها واستعادة دورها الجامع، فالمؤسسات الوطنية لا تحافظ على شرعيتها بتاريخها فقط، بل بقدرتها على استيعاب التحولات وتجديد تمثيلها وربط شرعيتها بإرادة المجتمع .
وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر لن يقتصر على بقاء الانقسام أو تعطل المؤسسات، بل قد يمتد إلى تآكل فكرة التمثيل الوطني نفسها، وظهور أجيال تشعر بمسافة متزايدة بينها وبين البنى السياسية القائمة، وعندها تتحول أزمة الشرعية إلى أزمة ثقة بين المجتمع والنظام السياسي بأكمله .
اليوم لا تحتاج فلسطين إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى إعادة تأسيس العقد السياسي الفلسطيني على قاعدة الانتخابات والمحاسبة وتداول السلطة واستقلال المؤسسات وإنهاء احتكار القرار، فبين الحسيني والنشاشيبي بالأمس، وأزمة الشرعية والانقسام اليوم، يقف الفلسطينيون أمام لحظة تاريخية حساسة، لقد خسر الفلسطينيون كثيراً من قدرتهم على الفعل عندما عجزوا عن بناء مؤسسات وطنية قوية في مراحل مفصلية من تاريخهم، والخطر اليوم أن يخسروا جزءاً من مستقبلهم للأسباب نفسها، لأن الأمم لا تضيع عندما تواجه خصماً أقوى منها، بل عندما تتحول أزماتها المؤقتة إلى نظام دائم يعجز عن إصلاح نفسه .