هي (سهى) صحفيَّةٌ ناجحةٌ يرقبُ القرّاءُ تقاريرَها التي تغطيها منْ بلادٍ مختلفةٍ بكلِّ شغفٍ، وهو (نبيل) مهندسٌ معماريٌّ موهوبٌ، جمعَهما الحبُّ. كانت تطلعُه على تقاريرِها؛ ليكونَ ناقدَها الأوَّلَ الذي تستمعُ لرأيِه بكلِّ حبٍّ واهتمامٍ، وكانَ يطلُعها على تصامِيمه؛ لتكونَ ناقدتَه الأولى التي يثقُ بذوقِها وخبرتِها....
في لقاءاتِهما الجميلةِ كانَ يهمسُ لها أنَّ حبَّهما خُلقَ ليعيشَ "مليون سنة" كما كانَ (عبد الحليم) يشدو في ذاتِ أغنيةٍ عذبةٍ لطالما استمعا إليها سويّةً... كانتْ تقولُ تعقيبًا على الأغنيةِ: لنْ أرميَ الوردةَ، ولنْ أطفئَ الشَّمعةَ، وكانَ يردُّ عليها ويبتسمُ: سأظلُّ "واقف مستني" فأنتِ حبّي الأوَّلُ والأخيرُ.. وكأيِّ عاشقين كانا يتحدَّثان عنْ بيتِ الزَّوجيَّةِ/ بيتِ الحبِّ ... اختارا الأثاثَ بالتَّفاصيلِ والألوانِ ذاتِها التي حلما بها سويَّةً.
قالتْ له: أريدُ لولدِنا الأوَّلِ أنْ يكونَ وسيمًا وحنونًا مثلَك، وسنسمّيه (خالد) كما هو حبُّنا.
قالَ: وابنتُنا الأولى سنسميها (تمارا).. وحينَ تساءلتْ بدلالٍ: تمارا؟
قالَ: نعم، تمارا هي التَّمرة، هي دفءُ أيامِنا، يجتمعُ فيها الخيرُ والبركاتُ كما أنتِ في حياتي.
بعدَ عامٍ منْ زواجهِما رُزقا بتمارا، طفلةٌ جميلةٌ وذكيَّةٌ، أصبحتْ حبيبةَ كلِّ العائلةِ، ووردةَ المجالسِ.
بعدَ ثلاثةِ أعوامٍ انتهى زواجُهما بالطَّلاقِ حينَ عصفتْ به رياحُ الشَّكِّ والغيْرةِ والمراقبةِ وسلسلةِ الممنوعاتِ التي يعشقُها الفكرُ الذّكوريُّ العربيُّ.
نالتْ قرارًا من المحكمةِ بضمِّ الطِّفلةِ إلى حضانتِها.
كانتْ تمارا همَّها الأوَّلَ حينَ ضجَّ مديرُ التَّحريرِ منْ تقاعسِها في تسليمِ تقاريرِها في مواعيدِها، أمّا هو فقد انتزعَ قرارًا من محكمةٍ غيرِ مختصَّةٍ بضمِّ طفلتِه إلى حضانتِه بعدَ أنْ أثبتَ انشغالَ الأمِّ بعملِها الصَّحفيِّ وكثرةِ أسفارِها، وعدمِ أهليَّةِ والدتِها/ الجدَّةِ لحضانةِ الطِّفلةِ بسببِ كبرِ السِّنِّ والمرضِ.
طارَ بطفلتِه وزوجتِه الجديدةِ بعدَ أنْ وقَّعَ عقدَ عملٍ مع بلدٍ عربيٍّ... مكثت الطفلةُ في حضانتِه عشرةَ أشهرٍ.
في إجازتِه الأولى طلبتْ سهى رؤيةَ طفلتِها، وطلبتْ منه وديًّا أنْ يعيدَ الطِّفلةَ إلى حضانتِها حينَ لاحظتْ أنَّ ملامحَ الاضطرابِ والهزالِ قد بدتْ على ملامحِها، وتعهدتْ بالاستقالةِ من وظيفتِها والتَّفرُّغِ لتربيتِها، رفضَ بشدَّةٍ ....
جُنَّ جنونُه حينَ تمكَّنتْ سهى من اختطافِ طفلتِها، ورفعَ قضيَّةً منْ جديدٍ؛ ليستصدرَ حكمًا بإلقاءِ القبضِ عليها إنْ لمْ ترجع الطِّفلةَ خلالَ أسبوعٍ.
في اليومِ التّالي - وقبلَ انتهاءِ المدَّةِ المطلوبةِ - تفاجأتْ سهى بالشُّرطة تلقي القبضَ عليها، وتودعُها سجنَ النِّساءِ مع أولاتِ الشُّبهاتِ والجرائمِ.
أمَّا تمارا فما زالتْ صحتُّها النَّفسيَّةُ في تراجعٍ مستمرٍّ بحسب الأخصائيين الاجتماعيّين والنَّفسيّين، وأمَّا سهى فما زالتْ تنتظرُ قرارًا عادلًا يقضي بضمِّ ابنتِها إلى حضانتِها بعدَ أنْ اعتصمَ زملاؤُها الصَّحفيون، وأنشأَ أصدقاؤُها صفحاتٍ للتَّضامنِ مع قضيَّتِها على مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ.
وأمَّا نحن فما زلْنا نغنّي للحبِّ الضّائعِ الذي كانَ سيعيشُ "مليون سنة"، ونتساءلُ عن الذَّنبِ الذي اقترفتْه أمرأةٌ حينَ انتصرتْ للأمومةِ أرقى المشاعرِ الإنسانيَّةِ وأكثرِها ثراءً ونبلًا ونكرانًا للذّات.