facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين زلات التعبير وفخاخ التفسير


فيصل تايه
06-06-2026 10:30 AM

​تتسع باضطراد ظاهرة تجلت مع تنامي نفوذ منصات التواصل الاجتماعي، وكثافة حضور اللقاءات عبر "البودكاست"، وحوارات استعادة الذكريات؛ وتتمثل في اجتزاء تصريحات بعض رجالات الدولة والمسؤولين والشخصيات العامة من سياقها الكامل. إذ يُكتفى باقتطاع ثوانٍ معدودة أو جملة عابرة من حديث ممتد ومتشعب، ثم تُقدم للرأي العام بوصفها خلاصة القول، بل والحقيقة النهائية التي يُبنى عليها الموقف وتُصدر وفقها الأحكام.

​هذه الظاهرة لا تمس الإنصاف تجاه الأشخاص فحسب، بل تمسّ جوهر الحقيقة وتُشوه مقاصدها. فالمتحدث قد يطرح فكرة استراتيجية أو تحليلية ضمن بناء متكامل، إلا أن ما يصل إلى الجمهور لا يتجاوز مقطعاً مقتطعاً عُزل عن بنيته الفكرية ومقدماته. وما إن ينتشر في الفضاء الرقمي، حتى تتوالد حوله التأويلات، ليتسارع المشهد نحو مواقف مسبقة تنحدر أحياناً من دائرة اللوم إلى مساحات التشكيك والتسقيط.

​ولعل ما يضاعف هذه الأزمة أن البيئة الرقمية المعاصرة لا تكافئ المحتوى الأكثر عمقاً، بقدر ما تكافئ المحتوى الأسرع انتشاراً والأكثر إثارة للتفاعل. فالمقاطع القصيرة والعناوين المثيرة أصبحت تمتلك فرصاً أكبر للتداول من الأفكار المركبة، مما جعل كثيراً من النقاشات العامة أسيرة الانطباع الأول بدلاً من الفهم المتأني. وبذلك، تحول الاجتزاء من خطأ في الفهم أو النقل إلى أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وإعادة توجيه الجدل نحو خلافات مفتعلة تحجب الصورة الكاملة.

​ومع ذلك، فإن تفكيك ثقافة الاجتزاء لا يعفي المتحدث ذاته من المسؤولية، لا سيما إذا كان ممن تبوأوا مواقعَ في هرم صنع القرار، ويحملون تاريخاً مشهوداً في خدمة الدولة الأردنية ومؤسساتها. فالموقع العام يفرض حذراً ودقة أعلى في اختيار المفردة، وصرامة أكبر في ضبط الرسالة؛ لأن الكلمة هنا فعلُ تأثير عام قد يُساء فهمه إن لم يُحكم بناؤه. فرجال الدولة لا يُقاسون بعمق الرؤية وحده، بل بقدرتهم على صياغتها في خطاب محكم لا يترك ثغرات للالتباس؛ فكلما ارتفع الموقع، ارتفع معه واجب الدقة وحسن التقدير.

​ومن جهة أخرى، يلاحظ أن النقاش العام كثيراً ما ينزلق من مناقشة الفكرة إلى تفكيك صاحبها والبحث في خلفياته، وكأن التاريخ المهني والوطني يُختزل فجأة في تعبير خانته الدقة، أو موجة رقمية متسارعة تُسقط سنوات من العطاء والخبرة بجرّة قلم. وهنا يتراجع العقل النقدي الرصين، ليُستبدل بانفعالات لحظية ومحاكمات افتراضية مفتوحة تُصدر أحكامها بناءً على مواد إعلامية مبتورة.

ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه الحالة لا تقتصر على فضاءات النقاش العام، بل تمتد أحياناً إلى بعض من يُحسبون على الرأي والثقافة والإعلام، ممن يُفترض أن يكونوا أكثر التزاماً بمنهج التحقق وقراءة السياقات. فسرعة التفاعل، وضغط الاستقطاب، وهيمنة الأحكام المسبقة، قد تدفع حتى بعض أصحاب الخبرة والمعرفة إلى الانخراط في ردود فعل متعجلة، تُنتج خطاباً لا يختلف كثيراً في حدته عن الخطاب العام، وإن اختلف في موقعه ومصدره. وعند هذه النقطة، يتراجع الدور التنويري للخطاب الفكري لصالح إعادة إنتاج الانفعالات ذاتها التي يفترض أن يساهم في تهذيبها.

​إن النقد المسؤول لا يكتمل إلا بالإحاطة بالسياق، وقراءة الفكرة في بنيتها الكاملة، ومناقشتها في جوهرها ومآلاتها، لا تحويلها إلى ذريعة للتجريح أو التشكيك. فالكلمات لا تُفهم بمعزل عن ظروفها ومقدماتها، كما أن العدالة الفكرية تقتضي أن تُناقش الأفكار في صورتها الكاملة لا في أجزائها المنتقاة.

​إن مسؤولية حماية الوعي العام هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الفرد ذاته؛ فقبل تداول مقطع أو إطلاق حكم، يصبح لزاماً طرح السؤال الجوهري: هل اكتمل الفهم؟ وهل استُحضر السياق؟ وهل يُحاكم القول أم صاحبه وتاريخه؟

​إن مجتمعنا الأردني مجتمع راسخ لا يُدار بالانفعالات العابرة، ولا يسمح بتحول المنصات إلى بديل عن العقل أو القانون، بل يمتلك القدرة على التمييز الدقيق بين النقد الوطني المسؤول والبنّاء، وبين حملات التشويه التي لا تنتج إلا الانقسام والاحتقان.

​وفي نهاية المشهد، تبقى الحقيقة أبسط مما يُصنع حولها من ضوضاء ؛ فالسياق ليس تفصيلاً يحيط بالكلام، بل جزء من معناه. والكلمة إذا نُزعت من سياقها فقدت عدالتها، وإذا أُعيدت إلى سياقها استعادت معناها، واستعاد معها النقاش العام توازنه وقدرته على إنتاج الوعي لا الاستقطاب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :