لا تنظر إلى الأعلى .. عندما تصبح الحقيقة ضحية السياسة
رانيا عثمان النمر
06-06-2026 09:48 PM
الفيلم الأمريكي لا تنظرإلى الأعلى Don’t Look Up ليس مجرد كوميديا سوداء عن مذنب يهدد الأرض، بل هو دراسة سياسية واجتماعية واعلامية عميقة في كيفية التعامل مع الحقيقة عندما تتعارض مع المصالح والسلطة والهوية والانتماءات في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن هذه الزاويا تحديداً يمكن أن يشكل مدخلاً ثرياً لقراءة الواقع في المجتمعات الحديثة ومنها الأردن.
على المستوى الظاهري، يحكي الفيلم عن علماء يكتشفون مذنباً سيؤدي إلى نهاية العالم، لكن السياسيين والإعلام والشركات الكبرى يتعاملون مع الأمر باعتباره فرصة للمكاسب أو مادة للاستقطاب السياسي.
أما على المستوى الأعمق، فالفيلم يتناول موضوعات مهمة رئيسية: أزمة الحقيقة، هيمنة الشعبوية على القرار السياسي، تحالف رأس المال مع السلطة، تراجع دور الخبرة والمعرفة، تحول المواطن من فاعل سياسي إلى مستهلك إعلامي.
في أحد أكثر المشاهد دلالة، يتحول شعار "لا تنظر إلى الأعلى" إلى حملة سياسية منظمة تدعو الناس إلى تجاهل الأدلة الواضحة أمام أعينهم. وبذلك يصبح الفيلم استعارة عميقة عن المجتمعات التي تتخلى عن التفكير النقدي لصالح الولاءات والانفعالات والمصالح الضيقة.
الأردن كغيره من المجتمعات الحديثة يصلح للإستعارة والإسقاط، فلن نجد مذنباً يقترب من سمائها، لكننا سنجد "مذنبات " على شكل قضايا استراتيجية عامة كثيرة تحتاج حتما إلى "النظر إلى الأعلى" مثل ارتفاع الضرائب والبطالة وارتفاع الأسعارو والمياه والعجزفي الموازنة وارتفاع المديونية والواسطة والفساد والحريات والحق في التعبير. لكن كيف يتم تحليلها على مختلف المستويات والتراكيب ؟
مستوى الفجوة بين السياسة والسلطة وبين العلماء والخبراء:
في الفيلم يتم تهميش العلماء والخبراء عندما تتعارض استنتاجاتهم مع الحسابات السياسية، بينما تنادى القوى الديمقراطية السليمة الى التوازن بين أدوار العلماء الذين يعرفون والسياسيون الذين يتخذون القرار، والمواطنون الذين يحاسبون الجميع بحيث أن اختلال هذا التوازن في أي دولة يؤدي بالضرورة إلى إضعاف كل مصادر المعرفة المستقلة، لأن المعرفة المستقلة تخلق مراكز قوة ورقابة خارج إرادة السلطة.
وعليه يعتبر دور العلماء والخبراء أخطر من السلطة لأن لديهم المعرفة والقدرة على كشف الفجوة بين الواقع وبين الرواية الرسمية وأرقامها ومعلوماتها وبياناتها لذلك يتم تهميشهم واقصائهم والتشكيك بهم أو استبدالهم بعلماء أكثر طاعة غير مزعجين ويقومون بوظيفة تبرير قرارات السياسيين وليس قول الحقيقة.
وفي الأردن يظهرنقاش مشابه أحياناً في ملفات الإنتاجية الاقتصادية، أزمة الطاقة، ملفات المياه، الضمان الاجتماعي، العدالة الضريبية، جودة التعليم، الإدارة المحلية، إدارة الموارد. غالبا ما يتم التعامل معها بطريقة " طرح حجم المشكلة ويتم حلها بطريقة آنية قصيرة المدى" ومحدودة التأثير، دون طرح الأسئلة من الجميع: سلطة تنفيذية ومواطن وإعلام، تلك التي تغوص في عمق المشكلة مثل : لماذا؟ من يدفع ثمنها؟ من يتحمل كلفة إصلاحها؟ من يتحمل مسؤوليتها؟ هل من سيتم مساءلته ومعاقبته وفق الدستور والقانون؟ هل هناك من يستفيد من استمرارها؟ هل يمكن لأدوات المشكلة أن تكون نفسها أدوات الحل؟ وبالتالي فإن المصلحة العليا لأي دولة لا تبنى على النوايا الحسنة بل على المعلومات الحقيقية.
إن تجاهل هذه الأسئلة الصعبة وفكرة ترحيل الأزمات غالبا ما تؤدي إلى: تصبح السياسات العامة أقل كفاءة، تتعمق المشكلات وترتفع كلفة الأخطاء، وتتراجع القدرة على التخطيط طويل المد، يزداد الشعور بالإحباط والاحتقان وتزيد حالات الاستقطاب.
ولهذا نجد أن كثير من الكوارث تحدث في المجتمعات الحديثة ليس بسبب نقص المعلومة لكن بسبب تجاهل المعلومات والحقائق المتاحة أصلا والتعتيم عليها وإقصاء قائلها.
في الدولة المدنية الديمقراطية الحقيقية تقوم على معادلة دقيقة:
"السياسي يقرر، لكن القرار يجب أن يستند إلى معرفة ينتجها خبراء مستقلون"
مستوى الإعلام بين الحقيقة والتبرير:
من أهم رسائل الفيلم ان الإعلام هو البطل الخفي في القصة فالمجتمعات لا يتجاهل الحقيقة دائماً، بل قد يتم إلهاؤه عنها أو تضليله.
في الأردن عادة لا تكون المشكلة في الإعلام الرسمي في الكذب، إنما في تقديم نصف المعلومة وفي غياب واضح لأولويات الدولة.
فالأردنيون يعرفون مشكلاتهم العامة العجز في الموازنة، وارتفاع المديونية والضرائب، المياه، وفاتورة الكهرباء، والبطالة لكنهم نادراً ما تكون لديهم القدرة على فهم أسبابها الحقيقية.
الأصل في الإعلام أن يقدم ما لايعرفه الناس، فمن الأفكار المركزية في الفيلم أن بعض المؤسسات الإعلامية تتبنى رواية السلطة أو الشركات الكبرى دون مساءلة كافية، بحيث يفترض بالإعلام أن يؤدي دور"الرقابة المجتمعية"، أي أن يسأل لماذا اتُّخذ القرار؟ ومن المستفيد؟ ومن المتضرر؟ وما هي الأدلة؟
لكن عندما يقترب الإعلام كثيراً من مراكز القوة السياسية أو الاقتصادية، يصبح جزءاً من عملية التبرير بدلاً من عملية المساءلة، فتختفي الأسئلة الجوهرية قبل أن تأخذ حقها من النقاش.
عادة ما يتم نقاش القضايا الكبرى على وسائل الإعلام التقليدية الأردنية، دون طرح الأسئلة الصعبة إما بسبب حالة الحريات في البلد أو لأن لا أحد يستطيع أن يتحمل كلفتها.
مستوى المواطن بين المعرفة والإنشغال اليومي:
جزء كبير من الأردنيين منشغلون بالهموم المعيشية اليومية، إلى جانب قلقهم حيال القضايا أعلاه وهذا مفهوم تماما، لكن النتيجة في معظم الأحيان يتحول النقاش بدلا "لماذا توجد المشكلة" إلى" كيف أتعامل معها" ( مثال: كيف تعامل الأردنيون مع أزمة غلاء البنزين والمحروقات المستمرة، توجهوا إلى سيارات الكهرباء، أنظر ماذا حصل بعدها من تعقيدات حكومية أي فعليا يتم حل المشكلة عبرالإنتقال الى مشكلة أخرى بسبب عدم فهم عمقها وغياب حل جذر المشكلة)
إن تركيز المواطن حول اليومي وفكرة خلاصه الفردي، يضعف التفكير النقدي لدى المجتمعات أي يحد من قدرتهم على فحص الأدلة، والتمييز بين الرأي والحقيقة، مساءلة السلطة التنفيذية، ومراجعة المعتقدات الشخصية.
أما بخصوص ثقافة تداول المعلومات بين المواطنين، تنتشرأرقام وأحيانا معلومات وحقائق وأحيانا تفسيرات سياسية واقتصادية، ومرة أخرى يتحول النقاش إلى ضجيج ويصبح السؤال
"من قال هذا ؟" أهم من " هل ما قيل صحيح؟ " في المجتمع النقدي تكون الحجة أقوى من صاحبها، أما في المجتمع التقليدي فصاحب الحجة أهم من الحجة نفسها. ويصبح النقاش العام محكوماً بردود الأفعال أكثر من كونه محكوماً بالرؤية طويلة المدى. وعندما يحدث ذلك، يبدأ المجتمع بفقدان قدرته على التمييز بين الأعراض والأسباب.
الخطر على المجتمع لا يبدأ عندما تختفي المعلومات، بل عندما تتراجع قيمة الحقيقة نفسها أمام السياسة أو المال أو الترفيه أو السعي وراء التفاعل الرقمي.
المجتمع لايحتاج دائما إلى إعلام معارض بل يحتاج إلى طرح الأسئلة المنطقية.